القدوة هى القوة الناعمة للتغيير، وهى الموعظة المؤثرة فى النفوس والفاعلة لتلقائية الحركة والتطور، وكانت القدوة هى السلاح الرئيس الذى غزا به أنبياء الله -عز وجل- قلوب الناس حتى اندفعت تلك القلوب إلى اختيار رسالة الله -سبحانه- بحب الإيمان وما يدعو إليه من العدل والإحسان والجمال وكل ما هو حسن، وبكراهية الجحود والفسوق والعصيان وما يستتبعها من الظلم بكل أشكاله وأنواعه وصنوفه. والسر فى قوة سلاح القدوة ونافذيته يرجع إلى منطقية الحال واستقامة الوضع وعدم تناقض المتكلم مع تصرفه، بالإضافة إلى إثارة الإعجاب إلى الأنموذج العملى، قال تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} (البقرة: 44)، وقال سبحانه عن شعيب -عليه السلام- لقومه: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِى إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} (هود: 88). وأخرج البخارى عن المسور بن مخرمة أن النبى -صلى الله عليه وسلم- لما فرغ من قضية الكتاب فى صلح الحديبية قال لأصحابه: «قوموا فانحروا ثم احلقوا»، قال: فوالله ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد قام فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقى من الناس، فقالت أم سلمة: يا رسول الله، أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بُدْنك وتدعو حالقك فيحلقك، فقام فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق لبعض.
والقدوة فى إقامة رسالة الله للإنسان تعنى انعدام وظيفة ما يسمى برجل الدين حتى ولو كان نبياً رسولاً؛ لأن امتثاله للدين يعنى عبوديته لله، والعبد لا يكون إلهاً أو وكيلاً عن الله لأن العبيد جميعاً متساوون فى صفة العبودية مهما تفاوت علمهم وفقههم، فكانت القدوة الدينية إعلاناً صريحاً بأن صاحبها هو أول العابدين وليس حامل راية الدين للآخرين، فالدين لله خالصاً وليس لأحد من البشر حق فيه بأكثر من صاحبه، ويمتنع على البعض إعلان احتكاره أو التحدث الرسمى عنه، وإن كان من حق الجميع أن يتنافس فى تحصيل حظه منه على قدر ما يستطيع كما قال تعالى عن سيد الخلق: «قُلْ إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاى وَمَمَاتِى لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} (الأنعام: 162، 163). ومن هنا وجدنا أمر القرآن للرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يقتدى بالرسل والأنبياء من قبله.
ويؤكد ساحرية القدوة فى التغيير وأثرها فى تحريك الأخلاق والعقائد ما أخرجه أحمد والحاكم، وصححه، عن أبى هريرة أن النبى -صلى الله عليه وسلم- قال: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل»، وأورد العلامة محمد طاهر الفتنى (ت 986هـ) فى كتابه «تذكرة الموضوعات» أن من قول عمر بن الخطاب -رضى الله عنه: «الناس على دين ملوكهم»، وقريب من هذا المعنى ما أخرجه البيهقى عن كعب الأحبار قال: «إن لكل زمان ملكاً يبعثه الله على نحو قلوب أهله، فإذا أراد صلاحهم بعث عليهم مصلحاً، وإذا أراد هلكتهم بعث فيهم مترفيهم». وكان من حسن طالع المصريين الذين تابعوا يوم أحدهم المشهود، الثامن من يونيو 2014م، أن رأوا المنافسة التلقائية فى حسن الكلم وعلو التصرف ورقى المعاملة واحترام الشعب والسعى إلى مصالحه بين الرئيسين المؤقت «المستشار عدلى منصور»، وهو ينقل السلطة فى مصر من يده الأمينة إلى الرئيس المنتخب بقريب من الإجماع «المشير عبدالفتاح السيسى» منذ الصباح عند حلف اليمين بالمحكمة الدستورية العليا، وفى الظهيرة عند مراسم تنصيب الرئيس المنتخب، وفى المساء عند الاحتفال الشعبى بالاستحقاق الثانى لخريطة طريق المصريين وتكريم الرئيس المنتهية ولايته بقلادة النيل التى يستحقها.
ثلاثة لقاءات متتالية لانتقال السلطة فى مصر تجهد الفرسان وتأخذ من أعصابهم وتلزم أبطالها أن يظهروا بمعدنهم الحقيقى بدون تجمل، فكانت النتيجة هى سلامة البنية التحتية بحسن أخلاق الرئيسين الهادئين الكريمين الغيورين على الشعب. وحسبنا ما كان بينهما من تعاهد الإجماع على احترام الدستور والعمل بما فيه على الوجه الأمين الذى يرضى الله -عز وجل- بما يذكرنا بحديث الصحيحين عن أبى هريرة فى السبعة الذين يظلهم الله فى ظله يوم لا ظل إلا ظله، ومنهم: «ورجلان تحابا فى الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه». كل شىء فى لقاءات نقل السلطة كان باهراً بعد أكثر من ثلاث سنوات عجاف كاد المصريون بسبب طولها أن ييأسوا من عودة القدوة المصرية للوطن العربى، إلا أن مشيئة الله -تعالى- وإرادته التى قضت فى الأزل أن تجعل مصر واحة الأمان لمن يقصدها بخير، كما فى قوله تعالى على لسان يوسف -عليه السلام: {ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللهُ آمِنِينَ} (يوسف: 99) - أبت إلا أن تطمئن المصريين على ما وُفِّقوا إليه من إسناد رئاستهم المؤقتة للمستشار «عدلى منصور» بعد ثورتهم فى الثلاثين من يونيو 2013م، كما تطمئنهم على حسن اختيارهم لرئيسهم الجديد «المشير عبدالفتاح السيسى» فى انتخابات الرئاسة التى تمت يوم السابع والعشرين من مايو 2014م. فكان يوم انتقال السلطة المشهود بين الرئيسين آية من آيات الله لعودة الأصالة المصرية بثوب أبهى ورونق أعظم مما يتخيله أحد، لعله يغسل هموماً فائتة وأحزاناً ماضية.
وكانت آية الآيات فى الرسالة التى وصلت إلى الشعب بحتمية تغيير لغة خطاب بعضه إلى بعض لتكون بالأحسن والأكرم والأليق؛ لاسترداد الإنسانية من جديد وتوريث التسامح والحب والإيثار لأولادنا وأحفادنا، فمهما تركنا لهم من مال لن يغنى عنهم من تلك المعانى الكريمة شيئاً؛ فقد أخرج البزار وأبويعلى بسند ضعيف عن أبى هريرة أن النبى -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق». ولن ينتشر حسن الخلق إلا بالتواصى بالاستزادة منه كما نتواصى بالسعى إلى الرزق، فقد أخرج الطبرانى وأحمد عن عبدالله بن مسعود أن النبى -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطى المال.
لا تحقرن الكلمة الطيبة فقد تكون سبباً فى نجاتك يوم القيامة؛ لما أخرجه الشيخان عن عدى بن حاتم أن النبى - صلى الله عليه وسلم- قال: «اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجد فبكلمة طيبة»، وأخرج البخارى، تعليقاً، وأحمد وغيره، موصولاً، عن أبى هريرة أن النبى -صلى الله عليه وسلم- قال: «الكلمة الطيبة صدقة». وحسبنا قول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِى السَّمَاءِ تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} (إبراهيم: 24،25).