التسويد والتزوير والتقفيل وشحن الموظفين.. مخلفات تاريخية!

أحمد رفعت

أحمد رفعت

كاتب صحفي

هل شاهد أحدكم ذات يوم فى أحد المستشفيات العامة الشهيرة القتلى والجرحى وبعضهم حالته خطرة ومنهم من فقد عينيه أو أحد أطرافه! لم يكن ذلك بسبب حرب مع عدو فى معارك حربية كبيرة وإنما كانت إحدى ظواهر الانتخابات فى زمن مضى!

هل شاهد أحدكم قرى بكاملها أو أحياء كاملة تؤيد مرشحاً بعينه وقد مُنعت بالكامل من الخروج للتصويت وجاء البلطجية والمسجلون خطر لعقاب كل من يحاول التصدى لذلك!

هل جربتم أن تذهبوا للتصويت، فتجدوا مَن قام بدلاً منكم بالمهمة! وهل جربتم أن تجدوا «المسجلات خطر» يقفن بالمرصاد لأى سيدة تقترب من أى لجنة ما دامت جاءت إلى محيط اللجنة من غير أنصار المرشح المطلوب إنجاحه!

وهل جربتم أن تذهبوا للتصويت فتجدوا الأموات والمسافرين وقد قامت قوى خارقة بالتصويت نيابة عنهم!

وهل جربتم أن تذهبوا إلى لجنتكم للتصويت، فتجدوا لجنة أخرى تمسك بأوراق الانتخابات وتتولى التصويت نيابة عن اللجنة كلها!

هل رأيتم من قبل مشاهد شحن و«حشد» الموظفين العموميين والعاملين بالجهاز الإدارى للدولة فى سيارات خاصة أو حتى سيارات العمل للتصويت لحزب بعينه أو لمرشح محدد!

هل رأيتم أو تابعتم مئات الدعاوى القضائية التى تُرفع عقب كل انتخابات مرفق معها صور ومظاهر التزوير والتسويد والتقفيل ويحكم فى أغلبها القضاء العادل وتكتفى الحكومة وقتها بدفع التعويضات من أموال شعبنا ويبقى داخل المجالس مجلساً بعد مجلس المزورون والجالسون على مقاعد التشريع والرقابة بغير حق!

كانت مسرحية هزلية.. عبثية.. استغرقت واستهلكت الكثير من وقت شعبنا وأمواله والأكثر خطورة أنها استهلكت وأكلت إرادته وكرامته!

مر شعبنا بما نعتقد أنه جرى فى دول أو مع شعوب أخرى.. دول عديدة تقول لشعبها إنها لن تمارس الديمقراطية ولن تحكم بانتخابات ولن تؤسس لنظام حزبى ولن تمنح الحرية للصحافة فتريح وتستريح.. لكن شعبنا مر بمسرحيات سخيفة لم تقدم لشعب آخر يمكن الضحك والنصب عليه إنما قدمت للشعب نفسه الشاهد والمتفرج والدافع لثمن كل شىء!!!!!!!!

مشوار طويل قطعه شعبنا لتمثيل نفسه وللتعبير عن رأيه وإرادته بدأت قبل قرن ونصف تقريباً عندما سرق محمد على باشا مصر من زعماء الشعب المصرى وانفرد بحكم بلادنا ونفى وسجن عمر مكرم ورفاقه وأصبح المشهد محزناً، ولا أحد من شعبنا موجود فى السلطة، فكان «المجلس العالى» كمجلس نيابى يبدو، ولو تمثيلاً، ممثلاً عن المصريين معبراً عنهم رغم خضوعه بالكامل لإرادة الوالى وصولاً منه إلى مجلس الخديو توفيق «مجلس شورى القوانين» وصولاً منه إلى الخديو إسماعيل «مجلس شورى النواب»، ومنه إلى مجالس النصف الأول من القرن العشرين، حيث يوجد مجلسا النواب والشيوخ وما يسمونها بالفترة الليبرالية، حيث يوجد مشهد يبدو فى ديمقراطيته أجمل من أوروبا، لكن عند فحصه بدقة تجد من لديهم القدرة على الترشح، وطبقاً للدساتير الموجودة، هم من يمتلكون حداً معيناً من الدخل والأراضى والوضع الاجتماعى، ولذلك حُرم شعبنا بغالبيته من التمثيل، ولذلك نندهش من الزعم بوجود ديمقراطية ومعها الاحتلال والظلم الاجتماعى الرهيب ومعها الجوع والذل والفقر والمرض والجهل والأمية.. وكان ذلك منطقياً فى ظل غياب كامل لمن يمثل شعبنا الحقيقى ويعبر عنه!

ثم حرر أبناء الجيش العظيم بلدهم وشعبهم وخرج الاحتلال البريطانى، ولأن فلسفة الثورة -أى ثورة- هى تغيير النظام القائم تماماً، وإلا كانت انقلاباً عسكرياً ليس أكثر، لذا أكد النظام الجديد وقتها أن تحولاً اجتماعياً كبيراً يجب أن يتم، لأن الديمقراطية فى ظل شيوع الجهل والفقر ستؤدى إلى عودة رجال النظام القديم وبما لا يستقيم معه الحال، كما أن أى أحزاب بغير تغيير اجتماعى سيؤسسها القادرون وأى صحافة سيمتلكها القادرون، ولذا شهدت الخمسينات والستينات انتخابات التنظيم الواحد وصولاً للسبعينات التى شهدت انتخابات واحدة نزيهة عام 76 خلد بها ممدوح سالم اسمه فى التاريخ السياسى المصرى وصولاً لحل المجلس لوجود نواب معارضين وصولاً إلى الثمانينات وسط تعدد حزبى وصحافة تقول ما تشاء، أجريت انتخابات نزيهة فى 1984 ثم اندفع البعض بشعارات دينية تسرق إرادة الناس بعيداً عن روح الدين وتعاليمه السامية لنشهد بعد ذلك لعبة الأرقام وخروج أسماء مهمة كممتاز نصار فى أسيوط وأحمد فرغلى فى أسيوط أيضاً وآخرين، بينما نجحت أسماء أخرى مهمة كفاروق متولى بالسويس ومحمود زينهم فى الجمالية ومنشية ناصر وفكرى الجزار بالغربية وعلوى حافظ فى الدرب الأحمر وغيرهم وغيرهم وصولاً إلى المشاهد المأساوية التى بدأنا بها سطورنا التى انتهت إلى 2011 وصولاً إلى العودة للنصب على الناس باسم الدين فى 2012 لنبدأ فصلاً جديداً منذ 2014!

اليوم.. نقف أمام مرحلة مختلفة فى حياة شعبنا ووطننا.. لا تتقدم الدول والشعوب بقرارات فوقية.. يمكن أن تتقدم بإجراءات فوقية، لكن فى كل الأحوال يحتاج الأمر ونحتاج معه إلى التراكم الذى ينقل الشعوب باستمرار من منطقة إلى أخرى.. ولذلك نقول كشيوخنا «كنا فين وبقينا فين» من المشاهد الصورية الهزلية الكوميدية، حيث أبطال المسرحية هم مشاهدوها وهم حاجزو تذاكرها وهم المجنى عليهم منها.. إلى انتخابات بغير تدخل حكومى يبتعد جهازها الإدارى والسلطة التنفيذية عن أى دور فى العملية كلها.. إلى كشوف روجعت ونُقيت إلى آلية سلسة للتصويت بتعقيد يضمن عدم التدخل والتلاعب وهنا نتوقف ونسأل:

هل تمت الانتخابات النيابية هذا العام على الوجه الأكمل المثالى؟ نقول على الفور ولا حتى فى الولايات المتحدة نموذج الديمقراطية فى العالم، كما يقولون، تتم فيها الانتخابات مثالية.. وفى انتخاباتنا الملاحظات عديدة.. من المال السياسى واستغلال حاجة الفقراء إلى خرق الصمت الانتخابى إلى اضطرار الأحزاب إلى عدم اختبار مرشحيها مقدماً قبل إكمال القوائم بهم التزاماً بالتنوع الفئوى إلى ملاحظات أخرى، كالتظاهر أمام اللجان أو إفساد الذوق والنظام العام ببعض أشكال الدعاية الانتخابية.. وهى كلها ملاحظات، مقارنة بالملاحظات التى قلناها، لا يمكن مقارنتها بالبلطجة واستخدام الرصاص والسنج والمطاوى والشوم إلى قاموس من الوقاحة من المسجلات «آداب وخطر» إلى التسويد العلنى!! وتبقى الملاحظات كلها فى ملعب المواطنين وتحتاج إلى حسم حكومى.. لكن هذا لا يؤثر فى صلب العملية الانتخابية ولا على النتيجة حتى نرى نواباً نجحوا أو يكادون بالإعادة وهم على طرف نقيض من الحكومة والقيادة السياسية.. وهو ما لم يكن موجوداً من قبل مع سقوط رموز أخرى، بينما لعبت دوراً فى دعم الحكومة والقيادة وهو أيضاً ما لم يكن موجوداً من قبل!!!

هنا.. نتمسك بما وصلنا إليه.. ونخطط من الآن لمنع التجاوزات المذكورة فى الانتخابات المقبلة.. ليكون أمامنا دورة أو أكثر لنصل إلى انتخابات مثالية أو تكاد.. ستدفع بالضرورة إلى أرقام حضور كبيرة.. ليشارك الجميع فى صنع مستقبل بلاده.. دون تمييز.. ودون معارك. اللهم إلا معارك التباين فى الأفكار والبرامج، وهذا صحى وإيجابى نتمناه ونسعى إليه وننتظره ويجب أن نخطط له!