بيتى «المصرى اليوم»

فى رحلة عمرك تحفر أيامك جداريات على الذات تعود إليها زائراً متبركاً مرة، ومعتبراً فى أخرى، ومدغدغ المشاعر مرات، وتصبح مع الوقت مقدسة مثل الأديان. «المصرى اليوم» ليست فقط مجرد جدارية على جنبات النفس تقدست أشياؤها بل هى أشبه برحلة قطار طويلة عميقة ممتدة لنهاية عمر أى صحفى دخلها سواء استمر أو ارتحل عنها، القطار تتعلم فيه أموراً: الانتظار مع الصبر، الحكمة، اختبار البشر، تهذيب النفس، التزام الحقيقة، الأمانة، الطموح، الألف؛ ألف الإنصاف، ألف المهنة، أن تكون أولاً فى «إصلاح، تعديل تطوير، جسارة، اقتحام»، وألا تظهر فى قائمة «خوف، نفاق، جبن، تكلس، تسطيح». ألف لا يعرف معناها سوى الكبار، ألف رأيناها فى لحظة تفكير نابهة مع سيجارة مجدى الجلاد، ألف عن إخلاص مجدى الحفناوى، ألف عن شباب ارتهنوا مستقبلهم بها، ألف عن التغيير، ألف عن قيادة مضامين الفضائيات عبر سنوات، ألف عن جيل مهنى يترأس حالياً غرف صناعة الصحف والإعلام، ألف عن معنى العدل والحق، ألف عن الوطن، ألف عن الكادحين، ألف حتى فى عدد الكراسى التى كسرها أحمد الخطيب فى صالة التحرير، ألف رغم ضجيج عربات القطار واحتكاكها بقضبان الطريق أو تعثرها فى قطع عمدى أو تعديل مسار. الرحلة لن تنتهى لأنها داخل كل نفس ركبت القطار فهى لا تنتهى حتى وإن غادر البعض القطار أو عبَره إلى قطار آخر أو سفينة أخرى، فهى رحلة أبدية للبحث عن الصدق، فالكلمة حياة أبدية يصوغها الناس عبر سنواتهم، فما بالك لو كانوا مصريين وتعلموا فى كيان اسمه «المصرى اليوم»! الركاب كثر، منهم من طحن بلا ضجيج، ومنهم من ضج بلا طحين، وهكذا الحياة؛ فهناك على رقعة الشطرنج عساكر وخيول وأيضا ملوك ووزراء، الرقعة سعت المهنيين وسعت غيرهم بالصدفة أيضاً، ورغم ذلك صارت «المصرى اليوم»، حكاية عن المبادرة التى لم تبحث عن نصف نجاح بل سعت إلى كل النجاح، التى لم تضع نصب عينها سوابق تقليدية أو صيغاً مصطنعة، بل سعت لتكون هى «السابقة السباقة» بروح تدرجت عبر عقول آمنت بأن واجبها المعرفة وعدوها الكتمان وقرينها مصر، مجدى مهنا وأنور الهوارى ومجدى الجلاد وزملاء لن تكفى السطور لذكرهم. لقد رحل كاتب السطور عن قطاره، لكنه ترك روحه هناك تحلق حول المخلصين وتتجنب المقصرين المهملين وتكره وجوه الكسل والضعف المهنى وتشتاق لكلمات مجدى الحفناوى «فين الجورنال؟» عندما نتأخر فى إرسال صفحتنا الأولى، طقوس أخذتنا وأخذناها وسلبتنا قدرتنا على مقاومة ذكرى تركتنا ولكن لم نتركها، فهى مستقرة، جذورها ثابتة وفرعها فى سماء الانتماء، والحب لكيان صنعنا وصنعناه وأحبنا وأحببناه، نكره انتقاده ونلتزم الثناء حتى فى لحظات التراجع أو فقدان البوصلة! غادرنا القطار لكننا ذهبنا إلى جزيرة وطن هى «الوطن» لندفع دماء جديدة إلى شرايين المهنة ونصنع مجداً بدأناه فى بيتنا الأول، واليوم أعتقد أننى لم أغادره أو غادرنى، فهو أمامى فى سنى عمر ابنى خالد الذى يكبر يوماً بعد يوم ومعه تكبر بداخلى سنواتى فى «المصرى اليوم» التى لا ولن تشيخ بل تكبر فى مقامات الكلمة ومنصات التأثير. عن سنوات العمر أكتب، عن الحلم الذى تحقق أكتب، عن بيتى «المصرى اليوم» أكتب، وختاماً شكراً لمجدى الجلاد على مهنة تعلمناها معه، وشكراً للمؤسس صلاح دياب الذى ساعد بلده قبل أن يساعد نفسه!