على هامش "الرايتنج بلوك"
أحياناً، كمثل أيامنا هذه، أُصاب بما يُعرف فى عالم الكتابة بالـ«رايتنج بلوك» أو قفلة الكتابة، حيث أجد نفسى عاجزة عن مشاركة ما يدور بعالمى الداخلى -على كثرته- وما يعتمل بنفسى وعقلى من أفكار وأسئلة وتصورات ومشاعر.. غالباً والحال هكذا أجد نفسى مأخوذة بالتفكير لا فى كيفية التغلب على الحالة أو الخروج منها، بقدر أن ما يشغلنى يكون السبب وراءها، وكأنى أفتح تحقيقاً دقيقاً لعقلى وللكتابة والأقلام والأوراق معاً: اعترفوا جميعاً.. مَن السبب وراء هذا الاستغلاق الخانق؟! أحياناً أقول فى نفسى إن طال أمد الرايتنج بلوك وثقلت وطأتها: ربما هو الإرهاق الذهنى، واللهاث وراء أسباب الحياة.. أستريح قليلاً، وأمارس تكنيكات التأمل، التنفس، التسكع فى الشوارع لفترات طويلة، فلا تنصاع الكتابة إلا بتدلل. أعود فأقول فى نفسى: لعلى بحاجة لقراءة نصوص من تلك التى تستفز خيال الطفلة فى داخلى.. أعود لمكتبتى، أقرأ وأحلق وأرى بعينى خيالى ما لا يخطر على قلب بشر، ثم أزيد بأن ألجأ لمكتبتى البصرية من الأفلام الوثائقية والأعمال الدرامية «المسبكة»، غير أنى أعود من جديد لدفترى لأجد الكتابة بعدُ عصية. أبوح لصديقة، فتقول لى: يا عبيطة إن هذا «البلوكاج» يعدك بعمل جديد بديع تدخره لك الكتابة إلى حين.. صبراً! ويقول صديق: «هذا وهمك، فغالبيه واطرحيه أرضاً ثم قفى على جثته وأمتعينا بجديدك المكتوب»، بينما يقول ثالث: «أنتم أيها الكتّاب لا تبدعون إلا إذا كانت لديكم دراما فى حياتكم.. اذهبى وابحثى عن دراما!».
تمر لحظات صامتة أمام شاشة الكمبيوتر وأنا أفكر فيما يمكن أن أشاركه، فالعقل مشحون بأشياء تأبى أن تنساب فى كلمات، لأجدنى تلقائياً أسترجع كلمات تشارلز بوكوفوسكى، صاحب مدرسة «لا تفعلها» فى شأن الكلمات المكتوبة، إذ يقول:
«إذا لم تخرج منفجرة منك برغم كل شىء
فلا تفعلها
إذا لم تخرج دون سؤال من قلبك ومن عقلك ومن فمك ومن أحشائك
فلا تفعلها إذا كان عليك أن تجلس لساعات محدقاً فى شاشة الكمبيوتر أو منحنياً فوق الآلة الكاتبة باحثاً عن الكلمات
فلا تفعلها». فأنصاع لنهى بوكوفوسكى الحاسم ولا أفعلها إلى حين. قدَراً، تُوكل إلىَّ مهمة تحضير مجموعة من الحلقات التدريبية وتصويرها، موضوعها أنواع الكتابة ورعب كل كاتب: «الرايتنج بلوك»! على أن أضمِّن الحلقات -أنا بالذات دون غيرى وفى هذا التوقيت بالأخص- نصائح وإرشادات بخصوص كيفية التغلب على قفلة الكاتب، فأقول فى نفسى: لعله الفرج جاءك مع تلك الحلقات يا سلمى..
أبدأ فى البحث والقراءة والترجمة ومراكمة المعرفة عن الأمر، وعما ينصح به محترفو الكتابة وخبراؤها فى صدد التعامل مع الرايتنج بلوك ومغالبتها..
أكتب الحلقات، أصورها، حسنٌ جداً، إن جُلّ المحترفين والخبراء يطمئنونك: حتى أعظم الأدباء والكُتّاب فى العالم يصابون بقفلة الكاتب، ولدينا اقتباسات تمثل الحالة تعود للقرن التاسع عشر لكُتّاب معروفين، فلا تجزع.. تنفّس، تأمّل، ضع أهدافاً صغيرة، استمر فى الكتابة دون تخطيط ولا تفكير...فقط اكتب واكتب واكتب بلا توقف...
أنتهى من تصوير الحلقات، أحس بالإنجاز، يتضاءل إحساس يلازمنى بالذنب لتوقفى عن الكتابة ولأن أقلامى لا تنصاع لى.. أعود لبيتى، أغيّر وضعية مكتبى الصغير، أبتاع «أباجورة» مكتب جديدة، وأزيّن مكتبى بكريستالة أقلام لطيفة (الأقلام الكثيرة الملونة فى الكريستالة تُشعرنى بالأمان)، وأبتاع كراسات جديدة منقوشة أغلفتها، وأجلس إلى ركنى الدافئ الصغير الجديد، ظانّة أنه قد آن لشياطين الكتابة أن تخشع قليلاً.. لكنها بالكاد تفعل..
هل هى الجائحة بأفكارها ومخاوفها ما يغلق مزاليج الخيال؟ لا بد من علة! لا بد من كيان ما نتهمه بالأشياء التى نعجز عن فهمها بالكامل، أو تحميل أنفسنا مسئوليتها بالتمام.. إن لم تكن الجائحة، فمن إذاً؟ لا بد أنها الجائحة..
أستعرض مدونات وصفحات الكُتّاب المصريين والغربيين، فأجد العرض نفسه وجهاد القلم ذاته هنا وهناك، فيتأكد ظنى بأن شيئاً ما يعترى المبدعين فى هذه الأيام، إذ وقعتُ على عدد من اليوميات باللغتين العربية والإنجليزية يوثق للحالة بالتزامن مع الجائحة، بينما يقف العالم بأسره مشغولاً ومنشغلاً بالفيروس اللعين الذى باغتنا جميعاً من حيث لم نحتسب..كثير منهم يتحدث عن تغير الحياة وانقلاب روتينه وارتباك قدرته على الجلوس لطاولته المفضلة والكتابة، عن انشغال باله، عن العمل من المنزل، وعن أطفاله الذين غدوا ملازمين للبيت يقلبون موازين اليوم بأسئلتهم وصخبهم ودراستهم المتعثرة. صحيح أن هناك من يذكّرنا، عبر مقالات ومدونات بعض الإيجابيين، بأن العزلة الاختيارية أو الحجر الصحى أو المنفى، كانت عنصراً حاضراً فى حياة كُتّاب ومبدعين كبار، ممن اختاروا أن يجعلوا من تلك الفترات انقطاعاً جميلاً عن العالم بصخبه لأجل خاطر الكتابة، لكن هذا فيما يبدو لى لا ينطبق على الجميع...على الأقل ليس علىَّ إلى الآن!