نصف دقيقة صمت ودقيقة حداد

أمينة خيرى

أمينة خيرى

كاتب صحفي

سألنى طلاب الإعلام فى الجامعة: حين نود البحث عن خبر أو تحليل أو تغطية عقلانية، نشاهد «مَن» ونقرأ «ماذا»؟ خبطنى السؤال فى مقتل. وكانت النتيجة نصف دقيقة صمت، وساعة حداد.

عجزت عن الخروج بأية مقترحات. فالمنصات التقليدية - بما فيها المواقع الخبرية- لم تعد تُغرى الأجيال الصغيرة بالمتابعة. أحدهم قال بحكمة بالغة ملخِّصاً الوضع: «ولماذا أقرأ وأتابع من يتحدث أو يكتب بناء على تريندات مهيمنة فى السوشيال ميديا؟! لدى السوشيال ميديا ذاتها». ماذا يعنى ذلك؟ يعنى أن هذه الفئة العمرية من المواطنين تعرف جيداً أن جانباً معتبراً من المحتوى الإعلامى مصدره مواقع التواصل الاجتماعى. وهذه ليست سُبة أو وصمة، لكنها حقيقة واقعة. ويكفى أن مواقع وقنوات تليفزيونية مثل «بى بى سى» و«دويتشه فيله» و«فرانس 24» على سبيل المثال تخصص أقساماً وبرامج عن «مواقع التواصل» وما تقدمه من محتوى تارة بالعرض وأخرى بالتفنيد. لكنها تفعل ذلك باعتبارها تستعرض محتوى مواقع التواصل، ولا تنسبه لنفسها. وقد سبقتنا فى الاعتراف بأن الزمن بتقنياته ومتطلباته وأجياله الجديدة قد تغير.

ونعود إلى جانب من إعلامنا الذى ما زال يحاول مناطحة السماء، وهذه صفة جيدة، شرط أن تكون مصحوبة بقدرات وإمكانيات تسمح له بذلك، بالإضافة إلى معرفة وإلمام ومتابعة كاملة لما يطرأ من جديد بشرى وتقنى مع القدرة على استشراف المستقبل القريب، إن لم يكن للاستعداد له، فعلى الأقل لمواكبته. وأعتب على البعض ممن يتخذ من «تريند» السوشيال ميديا مصدراً للأخبار وطرفاً لمنافسته فيمن يجذب مشاهدات أكثر و«شاهد قبل الحذف» أعلى.

علينا أن نسلم (وليس نستسلم) بأن السوشيال ميديا صارت مصدراً لصناعة الرأى العام وتوجيهه، ومنصة لتداول الأخبار (بما فيها الكاذبة)، ومجالاً ترفيهياً (ولو اعترض البعض على محتواه) وتعليمياً وإعلامياً. وعلينا كذلك أن نعى أن كل ما سبق من أدوار لا يأتى بالضرورة على أيدى متخصصين أو خبراء، لكن الكثير منه مصدره مواطنون عاديون بالإضافة بالطبع إلى اللجان الإلكترونية والـ«ترولز» أو «المتصيدين» ومهمتهم إثارة المعارك والزوابع والجدالات على منصات التواصل الاجتماعى دون الكشف عن هويتهم أو غايتهم.

الاستمرار إذن فى القيام بالأدوار الإعلامية من أخبار وتوعية وصناعة رأى عام بالطرق القديمة نفسها والأدوات التقليدية ذاتها، وكأن كل ما سبق مؤامرات أو تفاهات أو لا وجود لها على الإطلاق ليس مستحباً. والاعتقاد بأن تخصيص فقرة لاستعراض عدد من التغريدات أو التدوينات أو محتويات «إنستجرام» أو «تيك توك» هو مواكبة للعصر الرقمى اعتقاد خاطئ. والدخول فى حرب مفتوحة ضد السوشيال ميديا وكأنها حرب بين الخير والشر مدمر.

تدمير التناغم الطبقى فى مصر وجه آخر من وجوه الأزمة التى يعيشها الإعلام المصرى. والمسألة لم تعد تحتمل التجاهل أكثر من ذلك. فالدق على أوتار «المجتمع القاسى المتجاهل حقوق الغلابة» و«الأغنياء الذين لا يلتفتون إلى الفقراء» وقصص الكفاح والنضال والمقاومة المحتكرة من قِبل الفقراء دون غيرهم بات لا يحتمل. صحيح أن قصة الأم التى تبيع الخضراوات وتشوى الذرة وتقلى الطعمية لتطعم أبناءها الخمسة المعاقين قصة تدمى القلوب، لكن مع دمى القلوب يجب أن ننشط العقول. فحل مثل هذه المأساة لا يكمن فقط فى جمع التبرعات لها، أو اعتبار كل من يمتلك سيارة أو غسالة أو ثلاجة مشاركاً فى مأساة هذه الأم، أو مناشدة وزارة التضامن الاجتماعى تخصيص معاش إضافى لها، لكنها تكمن كذلك فى الوقاية حتى لا تتكرر مثل هذه الكوارث. لماذا أنجبت هذه السيدة المكافحة أصلاً خمسة أبناء وليس اثنين؟ وحين وجدت أن كل طفل تنجبه مصاب بإعاقة جسدية وعقلية، لماذا لم تتوقف عن الإنجاب؟! وحين عرفت بعد إنجاب الطفل الثانى أن سبب الإعاقة وراثى وناجم عن زواجها بابن خالها، لماذا لم تراجع قرار المضى قدماً فى عملية الضخ البشرى؟

بالطبع سيأتى الرد منوعاً حافلاً بالأسباب المتراوحة بين الجهل وضعف حملات التوعية الرسمية.. إلخ. وهنا يأتى دور الصحفى أو الإعلامى الذى ينبغى ألا يتوقف عند حدود سرد القصة المأساوية، ولكن عليه أن يمتد كذلك إلى أسبابها وسبل ضمان عدم تكرارها. لكنه عادة لا يفعل، إما لأن بذلك سيفسد التريند، أو سيعطى بعداً توعوياً لقصة مطلوب منها أن تنافس فى سوق «الأكثر قراءة» أو مشاهدة، أو لأن الصحفى نفسه على قناعة بأن على كل من هو قابع فوق خط الفقر مسئول عن هذه السيدة والملايين غيرها من أصحاب القصص المشابهة، أو أن الصحفى على قناعة بأن قصتها «قضاء وقدر» فقط، أو أن تنظيم الأسرة حرام، أو أن العيال عزوة أو أنه كلما زادت معاناة السيدة ضمنت لنفسها مكانة أعلى فى الجنة.

وضعنا الإعلامى فى حاجة إلى نصف دقيقة صمت وساعة حداد ودهر من الإنقاذ.