التجربة السويدية الخضراء بالقاهرة.. أكل طبيعي وحياة بالطاقة الشمسية (فيديو)

كتب: عبدالله مجدي

التجربة السويدية الخضراء بالقاهرة.. أكل طبيعي وحياة بالطاقة الشمسية (فيديو)

التجربة السويدية الخضراء بالقاهرة.. أكل طبيعي وحياة بالطاقة الشمسية (فيديو)

وسط الحي الراقي الزاخم بالعمارات وزحام السيارات، تظهر من بعيد نقطة خضراء وسط تكدس المواطنين، كلما اقتربت منها تتسع، وبالوصول إلى أبوابها تجد نفسك جزءاً من المنطقة الخضراء، مما جعل البعض يطلق على سفارة السويد اسم "السفارة الخضراء".

فور عبور بوابة سفارة السويد الحديدية الضخمة ذات اللون الأسود، تتمايل أوراق الأشجار، احتفالاً بالزائر، داخل الحديقة الخضراء، التي تضم أنواعاً مختلفة من الورود المصرية، وتتراص أشجار الريحان والزهور الحمراء والبيضاء والصفراء، وكذلك الفل والياسمين.

إعادة تدوير الأوراق المستخدمة في السفارة لإنتاج كروت شخصية للموظفين

على بعد أمتار قليلة من الحديقة، توجد غرفة من البلاستيك المعالج الشفاف، تظهر بها أنواع الزرع المختلفة، وفور عبور بوابتها توجد مواسير تطرح زرعًا، ليس دربًا من الخيال، لكن حقيقة نفذتها السفارة الخضراء لتوفير المياه والكهرباء؛ موصلّة بخزّان مياه محسوب فيه كمية المياه التي تدور داخل الماسورة المصمّم بها فتحات موضوع داخلها قصاري زرع صغيرة، لضمان وصول الكمية المحددة دون إهدار.

زرع المواسير ينبت سابقًا من شتلات مخصصة وضعت في إناء بلاستيكي بفتحات متراصة بجانب بعضها البعض، فتكون محلًا للبذور التي تُسقى بطريقة الرش لمنع إهدار المياه، ومجرد أن يبدأ خضارها في النضوج تنتقل إلى المواسير، ليبدأ ثمرها في النضوج ويصبح قابلاً للاستخدام.

منذ بداية تنفيذ الفكرة قبل عام، كان الرجل الثلاثيني سيد عبدالرازق هو المسؤول عن متابعة الغرفة التي تنتج غذاء السفارة، والتي تبلغ مساحتها 26 مترا، والمكونة من 247 شتلة من مختلف أنواع الخضراوات والزرع، فيوجد بها الباذنجان والفلفل والريحان والنعناع، كما تتوافر بها الخضراوات الورقية مثل الخس، الكزبرة، البقدونس، الشبت، وكرنب السلطة: "الغرفة بنظام زراعة الهيدروبونيك، وهي الزراعة في الماء، حيث توضع بذور النبات أو "الشتلات" في محلول مائي مغذٍّ، يدور في تلك المواسير، مما يساعد على خفض كمية الماء المستهلك في الزراعة".

الاعتماد على الطاقة النظيفة باستخدام الألواح الشمسية   

على بعد سنتيمترات قليلة من الغرفة، توجد بعض أشجار الفاكهة التي لم تقتصر على المصرية فقط، مثل البرتقال واليوسفي، إلا أنّ هناك بعض الفاكهة الأجنبية مثل "كيمكوات"، وهو نوع من أنواع الفاكهة اليابانية، يشبه البرتقال ويزرع بكثرة في دول جنوب وشرق آسيا، واليابان: "كل يوم الصبح باجي أشوف الزرع وأسقيه وأقص الأوراق الصفراء والذابلة، واهتم بالحدائق، وهنا بالاقي سعادتي"، حسب حديث عبدالرازق.

في صباح كل يوم، اعتاد الشاب العشريني مصطفى محمد، أحد الطباخين في السفارة، التوجه إلى غرفة الزارعة يومياً للحصول على الطعام، واستخدامه في السلطة وإعداد الطعام لضيوف السفارة: "الخضراوات هنا أنقى وأجمل لأنها مزروعة بالطرق الطبيعية بعيداً عن أي مواد كيميائية ضارة".

سلم حديدي خارجي عند إحدى بنايات السفارة، أسود اللون، صعود درجاته الأولى مثل السلالم المعتادة، إلا أنّ عبور الجزء الأخير منه هو الأصعب، فهو أفقياً يحتاج لليد والأرجل للصعود، وبالوصول لسطح البناية يظهر مصدر الطاقة في السفارة، حيث تتراص الألواح الشمسية واحدة إلى جانب الأخرى، موجّهة بعناية في اتجاه أشعة الشمس لتستمد طاقتها من الطبيعة والحد من مظاهر التلوث.

في نهاية الألواح الشمسية تخرج كابلات موصلة إلى مركز الكهرباء بالسفارة، لتتولى مهمة توزيع الطاقة الطبيعية في أنحائها كافة، سواء إنارة أو تشغيل أجهزة كهربائية في أي وقت، مما يسهم في خفض نسبة الأضرار الناتجة عن استخدام الكهرباء المعتادة، وهو المشروع الذي نفذته السفارة قبل نحو عام، والذي جاء بالتعاون مع وزارة البيئة المصرية، في إطار الالتزام بأهداف التنمية المستدامة وجدول أعمال 2030.

وسط الحديقة الخضراء بالسفارة يظهر النصب التذكار الرخامي، تتوسطه نافورة للمياه، وتحيطه بعض أنواع الأشجار المصرية والعالمية النادرة، أسفل كل واحدة منها نبذة تعريفية، وأول ما تقع الأعين عليه هي اللافتة المعدنية في مقدمة النصب التذكاري، والتي حملت معلومات عن صاحبتها، وهي عالمة النبات السويدية فيفي لوران تاكهولم، التي عاشت أغلب حياتها بمصر، وتركت إرثاً كبيراً من عملها في بناء المعهد النباتي بجامعة القاهرة، وساهمت في جمع 100 ألف من النباتات المختلفة من مصر ولبنان والجزيرة العربية والسودان. وبعد أعوام طويلة من وفاة الأستاذة السويدية، اجتمع عدد من طلابها الذين درّست لهم والمعجبين بجهودها، وقرروا افتتاح حديقة نباتية مستدامة داخل السفارة السويدية لتكريم جهودها في الحفاظ على المواد النباتية القديمة ودراستها، وحرصوا فيه على أن يكون به عدد كبير من النباتات التي ساهمت في جمعها، وشيد لها في العام الماضي.

السفير السويدي: أعدنا تدوير الأوراق المستخدمة في السفارة لإنتاج كروت جديدة لموظفي السفارة

يروي جان تيسليف، السفير السويدي في مصر، أنّه في عام 2018، بدأت السفارة السويدية التحول إلى "سفارة خضراء"، والتنمية المستدامة: "كانت الفكرة تدور حول كيفية التحول للتنمية المستدامة، كنا نهدف في البداية لتحسين بيئة العمل الداخلية في السفارة، وليس مصر بأكملها أو القاهرة، السفارة تعلم أنّ مصر لديها أجندة خاصة في التحول للتنمية المستدامة وطرق التحول إلى بيئة أكثر تحسّنا".

وأضاف السفير السويدي لـ"الوطن"، أنّ السفارة حاولت إيجاد طرق للتقليل من النفايات واستخدم الطاقة الشمسية، وعملت على زيادة بعض المساحات الخضراء في السفارة، بتلك المشروعات التي تهدف إلى توفير الطاقة والمياه، وبعض الخطوات الأخرى التي تعمل على إعادة تدوير بعض المخلفات واستخدامها مرة أخرى.

لم تقتصر فكرة السفارة في التحول على مشروعات الزراعة والطاقة الشمسية، بل عملت السفارة بالتعاون مع إحدى الشركات في إعادة تدوير مخلفات الأوراق المستخدمة في السفارة، وتدويرها لتصبح كروتاً شخصية لموظفي السفارة، وكتب في خلفها: "تعامل بعناية مع هذا الكارت، فهو مصنوع مع الأوراق المصرية المعاد تدويرها"، حسب السفير السويدي.

اهتمام السفارة بمشروعات التنمية المستدامة والبيئة الخضراء لم يتوقف على المشروعات التي نفذتها داخل السفارة، بل عملت على الخروج منها بعقد اتفاقية مع وزارة التربية والتعليم وشركة شجرة، والتي تهدف إلى تحويل أسطح المدارس لفصول خارجية خضراء بها أشجار وأنواع مختلفة من الزهور، تسمح بتعليم الطلاب بطرق أفضل وأكثر إيجابية، توفر لهم طرق تهوية أفضل وبيئة مختلفة: "نهدف من ذلك إلى خلق بيئة أفضل لطلاب المدارس، ويحصلون فيها على تعليم أفضل"، وفقا لـ"جان تيسليف".

خطط مستقبلية عديدة تعمل السفارة لتحقيقها خلال الفترة المقبلة، أوضحها السفير السويدي لدى القاهرة، وبينها تحسين الاستثمارات السويدية في العديد من المشروعات، مشيراً إلى أنّ السويد بها الكثير من الشركات المتميزة، إضافة إلى إيجاد وسيلة التواصل بين الشركات ومنظمات المجتمع المدني في مصر بنظريتها في السويد لتحقيق مزيد من الخطط والتعاون في مجال التنمية المستدامة والبيئة الخضراء.


مواضيع متعلقة