عام الزووم!
فى الزمن الفاصل بين عامين، عادة ما أقف وأكتب كشف حساب للعام المنصرم.. أقف على أعتاب العام الجديد، أتأمل العام الفائت، أحاسبه وأحاسب ذاتى، وأمر بعينى المراجعة على وجوه مَن كانوا حولى على مدار أيامه الـ365، وأجدد عهدى ويقينى أن قادمات الأيام بيد الله ستأتى رحيمة هيّنة ليّنة.
ثم إنّى فى الشهر الأول من كل عام ينقضى عام جديد من عمرى، وهذا العام القادم بالتحديد يفتح لى بوابة عقد جديد فى عمرى، لأتم الأربعين، أنا التى لم تكبر بعد الطفلة الحائرة بداخلها، والتى لا تزال تشيع فوضاها فى كل الأركان وتلتمس رعاية «الكبار» لها!
نعم.. الأربعون.. فأنا من جيل الفوازير والزلزال واحتفالات مطلع الألفية والاتصال بالإنترنت عبر «الديال أب».. جيل المدونات والثورة والجائحة.. الجيل الذى سخر من نفسه فقال إنه لا ينقصه -لكثرة ما رأى وعاش وعايش- إلا أن يرى التنين الوردى المجنح فى سماوات القاهرة!
مهما يكن.. أسأل الله السلامة فى الأيام الأخيرة لعام الكورونا، وأحمد الله كثيراً على الأيام التى منحتنيها الجائحة لأقرأ المقالات والدراسات وأنصت للروايات عبر تطبيقات الكتب المسموعة وأشاهد الأفلام الدرامية والوثائقية.
فى العام الفائت، عملت فى المنزل بجد كبير، قرأت تقارير صحفية وفصولاً من كتب ودراسات غربية عن الجوائح والطواعين والغيبيات والكوابيس فى أوقات الكوارث الإنسانية، وتعلمت مع كثيرين غيرى أن «الأيام العادية» منحة سماوية، واسترجعت معهم حديث سيدنا النبى الذى حاول فى ثناياه أن يُفهمنا -نحن البشر المتبطرين النسّائين- أن طعام يومنا على المائدة، ونومنا آمنين فى سربنا ليعدلُ حيازة الدنيا بحذافيرها.. شكراً للجائحة أن ذكّرتنا!
حمّلت العام الماضى برنامج الزووم على أجهزتى (وأعتقد أنه يستحق وبامتياز أن يحمل تسمية عام الزووم الذى منحته إياه فى لحظة تجلٍّ شاعرة بالرضا عن نفسى!) وساعدنى أصدقائى ممن سبقونى إلى استخدامه على أن آلفه وأستخدمه فى الاجتماعات والمحاضرات.. والحقيقة أنى حضرت عدداً لا بأس به من الفعاليات على الزووم، ومع كل فعالية كان علىّ أن أجيب سؤال زينبى الصغيرة عن السبب وراء أننى غدوت أستعد للخروج لكنى بدلاً من الخروج أجلس لأثرثر أمام اللابتوب!
فى عام الزووم، تعرفت على أنواع جديدة من الفطائر والحساءات وجربت تحضيرها، وتلقيت اتصالاً من صديق قديم لم أسمع منه منذ سنوات طويلة قال ببساطة: «بمناسبة الجائحة وتحسباً للموت الذى قد يأتينا بغتة، اعلمى أنى أحبك.. اهتمى بنفسك» لأطلب منه بتلقائية ألا يموت لأنه غير مسموح لأحبائى بالموت الآن!
فى عام الزووم أيضاً وجدتُ فرصة نادرة لمناقشة قصة الخلق وحكاية أبينا آدم مع زينبى الصغيرة، كما وجدت الوقت لمشاهدة قصص الأنبياء مع الرسوم المتحركة رفيقتها ومناقشة محتواها، وشاهدت عدداً من الأفلام الأمريكية التى تتناول قضايا الإرهاب والأمن فى منطقتنا، وهو ما جعلنى مشدودة متوترة فى ليالٍ كثيرة.. ربما لم أكتب كثيراً خلال فترة الحجر المنزلى، لكنى تريضتُ أكثر، نمت أكثر، وتعلمت بعض الحيل للاهتمام أكثر بالزرع المنزلى، وسجّلتُ وتلقيت أطناناً من الرسائل الصوتية التى لا بد وأنها تملأ فراغات الكون الآن، (أقولها فى نفسى الآن ضاحكة وقد تذكرت إكرامى وجهازه العجيب الذى يجمع شتات الأصوات الخالدة فى فضاءات الكون فى الفيلم العربى الشهير!).
إنه عام الزووم واليوتيوب والواتس أب والكمامات والمطهرات الكحولية.. عام إدراك أننا لم نكن نغسل أيدينا فى أعمارنا التى سبقت الكورونا قط!
يقول العرافون والمنجمون الكذابون دائماً إن 2021 يأتى بمنعطف ما فى دربى، لكن مهما يكن من أمر القادم، فالمعلوم يقيناً الآن، وبينما أغادر عام الزووم، فإنى حين أعود لاسترجاع تفاصيله، لا بد أن عقلى سيستدعى «فلاش باكس» عن أشياء عدة من تلك التى ذكرتُ وسجلت، سيكون على الأرجح فى مقدمتها صور الحيوانات البرية فى دول العالم، وهى تتسلل إلى الطرق السريعة، فى محاولة لفهم أين اختفى الكائن المزعج الذى يسير على اثنين ويُصدر ضجيجاً مؤرقاً بماكيناته وأجهزته الكثيرة طول الوقت؟!
ستليها غالباً الصور المهيبة التى تنقل مشاهد رأسية لمواقف ومدارج طائرات بمطارات دولية، وقد تراصت إلى جانب بعضها البعض فى سكون تام، معلنة تقطع أوصال العالم، وانعزال الدول وانغلاق الحدود على من بداخلها دون تمحيص.