يا ولاد الكلب..

محمد منير

محمد منير

كاتب صحفي

ردود فعل غوغائية تلقيتها بعد نشر مقالى «الحمقى لا يتراجعون»، الذى عرضت فيه نماذج من طغاة العالم، وكيف أنهم لم يتراجعوا عن جبروتهم، وكيف وصفهم التاريخ بالحمقى، ثم تحدثت عن تصريحات بعض قياديى الإخوان فى لندن، التى تنم عن حماقة شديدة فى التمسك بآراء مغلوطة، لا تُسمن ولا تُغنى من جوع، بل تزيد نيران الفتن اشتعالاً بين ما تبقى من مؤيديهم فى مصر، وبين من أصبحوا يتقيأون فقط من ذكر اسم أو سيرة الإخوان. كل الرسائل الإلكترونية التى استقبلتها، والتى لا تخلو من سباب وتكفير، لم أعرها اهتماماً، إلا رسالة واحدة تلقيتها على بريد صفحتى على الفيس بوك، مكونة من ثلاث كلمات «يا ولاد الكلب»، وكان واضحاً من صفحة المُرسل أنه طفل، عرفت ذلك من صورته، وفى بادئ الأمر اعتقدت أنها رسالة أُرسلت لى بالخطأ، ويحدث هذا أحياناً بصفة خاصة أن هذا الشخص أو هذا الطفل لا تربطنى به أى علاقة من قريب أو بعيد، إضافة إلى أنه ليس من قائمة أصدقائى فى الأساس، بل فقط من المتابعين لى «فلورز»، وأيضاً لا توحى الرسالة بأنه ينتقدنى فى شىء، فاكتفيت فقط بالرد عليه بمجموعة متكررة من علامات الاستفهام فى رسالة واحدة، وكأننى استوضح هل يقصدنى بالفعل أم أرسلها بالخطأ. فى اليوم نفسه تلقيت رسالة أخرى نصها الكلمات الثلاث نفسها «يا ولاد الكلب» مع بعض الإضافات، وتأكدت أنه يقصدنى، دخلت صفحته وتأكدت أنه طفل عمره 11 سنة، بحثت عن شخص مشترك بيننا، فوجدت صديقة واحدة مشتركة، وأعرفها على المستوى الشخصى -صداقة عمل- أرسلت لها رسالة أستفسر منها عن هذا الطفل، وفى اللحظة نفسها جاءنى ردها بالإيجاب نعم أعرفه، فرويت لها ما حدث، فأبدت دهشتها وقالت لى نصاً إنه طفل وربما يكون متأثراً بأفكار المحيط الذى يعيش فيه سواء أسرته أو بعض أقاربه، ومن المؤكد أنه لا يقصد إهانتك، ولا يُدرك ماذا يفعل، فهو فقط يحمل بعض الضغينة لأى إنسان يُهاجم الإخوان أو يحمل ضدهم أى مواقف كراهية دون أن يفهم لماذا يكره هؤلاء الإخوان؟ أو حتى لماذا هو يدافع عنهم؟ فأزعجنى كثيراً هذا الرأى، فكيف لطفل عمره 11 سنة يحمل كل هذه الكراهية والضغينة لشخص لا يعرفه لمجرد أنه ينتقد الإخوان، دون أن يفهم ما أكتبه أو ما أطرحه أو حتى يُناقشنى فيه، رغم أننى فى جميع كتاباتى أميل للمناقشة والحوار والنقد البعيد عن الشخصنة أو التحريض، لأن هذا ليس دور الكاتب. وبعد انتهاء حوارى مع الصديقة المشتركة، وصلتنى رسالة من والده أو والدته لا أعلم لأنها من دون توقيع ونصها كالتالى: «الأستاذ محمد تحية طيبة وبعد.. أتمنى أن تتقبل اعتذارى عما حدث من ابنى أحمد، وأحب أن تعلم أنه عوقب على ما فعل، وأرجو أن يكون قد تعلم أن الخلاف فى الرأى لا يؤدى إلى سوء الأخلاق، وفى النهاية أكرر اعتذارى». فى الحقيقة لم أرد على الرسالة؛ لأننى أعلم أن من كتبها لو كان مؤمناً بثقافة الاختلاف فى الرأى، كما يقول، كان نقلها لابنه، ولأننى أرى أن ذنب هذا الطفل الوحيد أنه نشأ وسط أسرة إخوانية،جعلته يعتقد أن الإخوان «ملائكة» هبطوا علينا من السماء، وأن الانتماء لجماعتهم هو جزء مُكمل للدين والعقيدة، فهى ليست مجرد جماعة بالنسبة لهم، وكل من ينتقدهم كفرة و«أولاد كلب»، وعندما يصبح هذا الطفل شاباً سيتحول هذا الفكر إلى عقيدة، وقد يكون واحداً ممن يُفجرون أنفسهم اعتقاداً منه أنه سيصبح شهيداً، وهم فى الواقع قتلة مثواهم جهنم وبئس المصير، فهؤلاء دائماً «حافظين مش فاهمين». كلمة أخيرة: إن لم نُفكر من الآن فى كيف نحمى الأجيال المقبلة من هذا الفكر المتشدد والتكفيرى سنظل نبحث خلف الأشجار وأعمدة الإنارة واللوحات الإعلانية عن «قنابل بدائية الصُنع».