"الجزيرة".. اختطاف التاريخ

 الأزمة الأخطر مع قناة الجزيرة ليست هى التغطيات الإخبارية التى تخدم توجهاً بعينه يحابى تيارات الإسلام السياسى على ما عداها، وينطلق من افتراض «النبل الكامل» فى الموقف القطرى، و«العظمة المطلقة» فى المسلك التركى. القناة الأكثر إشكالية فى الإقليم تؤسس، فى هدوء وصمت، لما هو أبعد من خلاف حالى مع مصر أو شقاق آنى مع المملكة أو صدام قائم مع الإمارات، بل ما هو أبعد من مؤازرة الإخوان أو تلميع جبهة النصرة أو تمييع صورة داعش.

«الجزيرة» الآن تصنع المعرفة الكاملة، تقدم وجبات لأجيال قادمة ستكون الجزيرة بمثابة «جوجل» العربى لديها، ومصدر المعلومة التاريخية والموقف الفلسفى من الأحداث والأشخاص. فهى حاضرة على نحو أخطبوطى فى كل وسيط يمكن أن يتخيله المواطن العربى بأكثر من منتج، لتخاطب كل التوجهات والاحتياجات تقريباً. ففى تطبيق «رموز»، التابع لقناة الجزيرة، والذى يمكنك الاستماع من خلاله لحلقات إذاعية تتناول شخصيات تاريخية من «ابن تيمية» وحتى «أشرف مروان» مروراً بـ«نزار قبانى»، سيتاح للمواطن العربى -الذى لا يقرأ غالباً- حكايا هذه الشخصيات من وجهة نظر «الجزيرة» (والذين وراءها).

وليس العيب فى الجزيرة من حيث هى «الجزيرة» كما لو كانت خصومتنا معها ناشئة من الفراغ المطلق، بل هى خصومة معرفية أصيلة فى ظل الاختطاف الشامل الذى تجريه شبكة الجزيرة بأذرعها المختلفة على تطبيقات الهواتف المحمولة وعلى تليجرام وعبر قنواتها ووثائقياتها وتغطياتها وضيوفها الموظفين فى معزوفتها المدروسة، فابن تيمية مثلاً وفقاً لحلقات الجزيرة المشار إليها (على تطبيق رموز) سيكون شخصاً لطيفاً وإماماً عظيماً، ولن يكون الرجل الذى فتح على الأمة أبواب الجحيم بالمسلك الذى سار فيه منفرداً عن علماء عصره وعن المنهج الذى حكم فتاوى ورؤى علماء الإسلام على مدار قرون، وسيُختطف صدام حسين وحافظ الأسد وأم كلثوم لتصبح شخصيات تاريخية مقروءة على ضوء المعيار القيمى للإخوان المسلمين وتوجهاتهم.

وثائقيات الجزيرة، ومحتوى الجزيرة، لا يكاد يكذب تقريباً، لكن الصنعة كلها فى الحيدات.. فى المسكوت عنه.. فى التلوين.. فى زوايا التناول.. فى الاستنتاجات المتعسفة.. فى ألفاظ التغطية. فعلى سبيل المثال، حين مات الجزائرى عباس مدنى فى أبريل من العام ٢٠١٩، تعاملت الجزيرة مع الرجل بوصفه رمزاً جزائرياً عظيماً، وأسهبت فى نعته بنعوت المقاومة ضد الاحتلال الفرنسى وصوَّرته بطلاً شعبياً وأممياً، فى حين لم تأتِ على ذكر دور الرجل فى العشرية السوداء فى الجزائر ولا أعمال الإرهاب التى لا يمكن تبرئته منها بأى حال من الأحوال. هنا اقتطفت الجزيرة واجتزأت وصنعت صورة جديدة صُدرت للوعى العربى -ذى الذاكرة القصيرة عادة- وبات بموجبها عباس مدنى فى وجدان أجيال وفى معارف الناس رمزاً وطنياً.. فى عملية غسيل سمعة من الطراز الممتاز!

الأزمة ليست فى مدنى أو خلافه، بل فى عملية غسيل السمعة الشامل التى تجريها الجزيرة بحق كل من ينتمى للإسلام السياسى، وفى هذا الدفاع المستميت عن وجهة نظر بعينها إزاء الإقليم، وفى تصوير أمور بغير حقيقتها. حتى إنك ستفاجأ فى واحد من وثائقياتها أن الإخوان المسلمين والنحاس مثلاً ربطتهم علاقة ود واحترام ووفاء، حتى إن الإخوان شيَّعوا النحاس لمثواه الأخير، خلافاً لأى مروية تاريخية متماسكة أو الحدود الدنيا من المنطق! أو حتى باجتزاء الواقعة -جنازة النحاس- وتلوينها وإعادة سبغ ماضى الجماعة بشىء من الوطنية المصرية وإيهام المتلقى بأنها كانت جزءاً من الحركة الوطنية عموماً، وأنها كانت جزءاً من علاقات قبول ورفض مثلما هو الحال بين الكيانات والتوجهات السياسية عموماً، وليس بوصفها دخيلة ومريبة، ومارست القتل والتفجير والاغتيال بفُجر لا يوصف.

صنعة الجزيرة كلها قائمة على الحيدات البسيطة والإيهام، والصمت عن أشياء وتضخيم أخرى.. هى لا تكذب بالكلية بمقدار ما تتلاعب فى مقادير الأشياء وصفاتها. بل حين تذيع الجزيرة تغطيات «الصحف والمواقع الأجنبية» تجدها تستعرض مقالات فى مواقع أجنبية مملوكة لقطر، قامت بترجمة محتواها مواقع عربية أخرى مملوكة لقطر.. على شاشة الجزيرة المملوكة لقطر! فى دائرة مكتملة الأركان من الإيهام بأن ثمة رأياً عاماً عالمياً منشوراً فى مواقع ناطقة بالإنجليزية، وقد اهتمت به مواقع عربية مختلفة، وها نحن نقدم إليكم ما يقول العالم! بينما المسألة كلها تدار من نفس الشلة بنفس مصدر التمويل لترديد نفس القناعات للإيهام بنفس الأشياء.. ربما من نفس الغرفة أحياناً.