«غزة ليست حماس» و «حماس ليست الإخوان» هكذا، وبهذه الكلمات الموجزة حاول الكثيرون حث السلطات المصرية على التحرك سريعاً لإنقاذ أطفال ونساء وعجائز غزة الذين يقتلون ويحرقون جراء القصف الإسرائيلى، خاصة بعد أن وُصف الدور المصرى تجاه ما يحدث هناك حالياً «بالسلبى»، نتيجة لعدم تدخل مصر سياسياً أو غير ذلك مع بداية القصف الإسرائيلى الحالى وبنفس مستوى التدخل المعهود سابقاً تجاه العدوان الإسرائيلى الغاشم على أهالى غزة، ثم أسرعت مصر بالفعل فى فتح المعابر منذ الخميس الماضى لإسعاف الجرحى وإدخال المساعدات الإنسانية والقيام بدورها التاريخى الذى اعتادت أن تقوم به من قبل، ولكن فى ظل تضارب فى وجهات النظر حول المساعدات التى تقدم بين من يرى أنها واجبة، ومن يرى أنها لا ضرورة لها، لأنها وفقاً لما يراه تقدم لأحد أجنحة الإخوان المسلمين المصنفين حالياً بمصر بالإرهابيين، أى إلى حركة حماس.
غير أن هذا المشهد وهذه المواقف تطرح بعض التساؤلات، وتفرض أيضاً بعض الحقائق التى لا مفر منها كحقيقة، مثلا أن أمن مصر هو من أمن فلسطين المحتلة وأن هذا الخيار ليس ترفاً وإنما خيار استراتيجى لا مفر منه وقضية أمن قومى ومنطلق سياسى وأخلاقى التزمت به مصر تاريخياً، انطلاقا من دورها المحورى والقدرى الذى يستمر معها ما دامت «كبيرة» الأسرة العربية، ولكن يبقى التساؤل، هل يستطيع أحد أياً كان أن يزايد على الدور التاريخى المصرى فى القضية الفلسطينية؟!
وأما الإجابة فهى أننى «لا أعتقد» هذا إلا إذا ما كان من قبيل الاستهداف للدور المصرى والنكران أو الجحود! فقد بدأ هذا الدور التاريخى قبل الحقبة الناصرية مع إنشاء الهيئة العربية الفلسطينية ومقرها القاهرة تحت زعامة المفتى، ثم اعتبر عبدالناصر بعد ذلك وبقية القادة العرب القضية الفلسطينية الأساسية والأولى للأمة العربية، وتوالت المساعى والتضحيات من مصر عبر السنين، من خلال تكثيف الجهود وبذل الإمكانيات السياسية والاقتصادية فى هذا الملف المهم، وما زالت مصر حتى اليوم تلعب نفس هذا الدور المفصلى، حتى مع الاتهامات التى وجهت «لحماس غزة» إبان ثورة يناير بالإرهاب داخل مصر وتهديد الأمن القومى المصرى وما إلى ذلك والتى يتولى الفصل فيها حالياً القضاء المصرى، ولكن لم تتخل مصر عن مسئوليتها، إدراكاً منها للتربص والسعى الإسرائيلى الدائم نحو انفصال قطاع غزة عن القدس والضفة الغربية، وإخراجه من معادلة الصراع القائم، الأمر الذى يمهد بما لا يدع مجالاً للشك إلى تهويد القدس والتوسع الاستيطانى على الأرض للقضاء على حلم بناء الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس المحتلة.
ولا يستطيع أحد أن ينكر أيضاً دور المملكة العربية السعودية، الذى لا يقل عن دور مصر، فقد احتضنت حركة فتح ومنظمة التحرير منذ البداية وأمدتها بالمال والسلاح، كما أن للملك فيصل دوراً تاريخياً فى 1973 عندما قطع إمدادات النفط عن الغرب، مما تسبب فى اغتياله فيما بعد، وكذلك كان لسوريا حتى عام 1970 دور مهم لا ينسى فى دعم القضية الفلسطينية، الذى يجب أن يستمر من جميع الدول العربية حتى يعلن قيام الدولة الفلسطينية، وكما كانت القضية الفلسطينية دوماً هى قضية أمن قومى مصرى، تشكل الشغل الشاغل لمصر قيادة وشعباً، فإنها ستظل هكذا دوماً ما دامت مصر تتحمل دورها التاريخى الذى لم تختره، وإنما فرضه عليها القدر والواجب، وما دامت إسرائيل بالجوار تهدد العالم العربى وتحتل أرضاً عربية، ومن ثم فلا مجال للمزايدات على الدور المصرى تجاه هذا الملف، كما أنه لا مجال للمطالبات بتخلى مصر عن هذا الملف المهم تحت أى مزاعم كانت، لأن هناك واقعاً يفرض نفسه.