800 زراعة كبد.. عظمة الإنجاز!!

 أول مقال فى العام الجديد يجب أن يكون مبهجاً ويحمل طاقة أمل وتفاؤل، ويسلط الضوء على إنجاز عظيم يحدث على أرض مصر المحروسة، ولكنه هناك بعيداً عن ضوضاء العاصمة وعيون الإعلام، إنجاز يشبه الإعجاز لأنه ينقذ الأرواح من الموت، ويكون سبباً فى إحياء النفس التى يقول عنها المولى تبارك وتعالى «وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً».

الأسبوع الماضى قام فريق زراعة الكبد بمركز الجهاز الهضمى بالمنصورة بإجراء العملية رقم 800 لزراعة الكبد، وهو رقم لو تعلمون عظيم لأنه بذلك يحتل المركز الأول على مستوى مصر والمنطقة والثالث عالمياً فى زراعة الكبد بين الأحياء.

عبقرية الإنجاز تتمثل فى أنه يتم بأيدٍ مصرية خالصة، وفى مستشفى حكومى تابع لجامعة المنصورة، كما أنه شبه مجانى للمرضى، حيث تتحمل تكاليفه الدولة أو إدارة الجامعة أو من تبرعات أهل الخير، التى تخفف عن المريض هموم نفقات الزرع والأدوية التى تستمر مدى الحياة.

برنامج زراعة الكبد بالمنصورة يعتبر من أنجح البرامج الطبية الموجودة فى مصر حالياً، بل ومن أهم الإنجازات التى تتحقق وتتطور وما زالت تحافظ على استمراريتها بعيداً عن الفوضى التى أصابت الكثير من مؤسساتنا.

سمعته تجاوزت الحدود المصرية، وأصبح يستقبل مرضى من جميع الدول العربية، إنه إنجاز لم يأت من فراغ، ولكن بعد مجهود كبير شاق وعمل متقن يقف وراءه رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وحالياً يؤسسون لبرنامج مثيل فى جامعة الزقازيق.

مركز الجهاز الهضمى والكبد بالمنصورة يجرى نحو 40% من عمليات زراعة الكبد فى مصر رغم أنه أحدث من مؤسسات كثيرة، ولكنه تفوق عليها بفضل الانضباط والإخلاص ونسبة النجاح، مع الالتزام الصارم بالأخلاقيات والضوابط التى تمنع تماماً تجارة الأعضاء البشرية.

800 زراعة كبد من غرفة عمليات واحدة جعلت أحد رجال الخير يقوم ببناء مركز متخصص لزراعة الكبد من 9 طوابق سوف يكون فريداً من نوعه بمنطقة الشرق الأوسط، ولكنه ما زال يحتاج إلى أموال لتجهيزه حتى يقضى على قوائم الانتظار وإنقاذ حياة المرضى.

ما يتقاضاه أعضاء فريق زراعة الكبد بالمنصورة ربما يكون أقل مما يحصل عليه لاعب كرة قدم مغمور أو فنان ومطرب تافه، ومع ذلك كل أعضاء الفريق لا يشغلون أنفسهم بالمقابل المادى ويعملون بإخلاص وبمنتهى الانضباط والحماس لإجراء عمليتين أسبوعياً تستغرق 36 ساعة فى غرفة العمليات ثم الإقامة بجوار المريض والمتبرع حتى تستقر حالتهما، ونظراً لقائمة الانتظار الطويلة يضطرون لزيادة أيام الزرع إلى ثلاثة بدل يومين.

تجربة المنصورة فى زراعة الكبد تدرّس فى المحافل العلمية الدولية لأن وراءها رجالاً يعملون فى صمت ودون صخب إعلامى، ويحملون الوطن على أكتافهم ويضربون المثل والقدوة فى الإخلاص والانضباط والنجاح، ويمنحوننا الأمل والتفاؤل، ويؤكدون أن مصر تستطيع فى الطب وجميع المجالات طالما توافر الإخلاص والقدوة والإرادة.. والله الموفق والمستعان.