أبوظبي الخرطوم القاهرة والعكس (5) مطاردة في شوارع الخرطوم
يملك أهل السودان قدراً كبيراً من الحكمة المغلفة بالتواضع، يعشقون الحياة البسيطة لا يقيدها شىء سوى عادات الكرم والتسامح والكرامة، ويبدو أن صعوبة الطقس دفعت الكثيرين للتأمل بشكل متعمق، فالدين فى السودان عنوانه المحبة، وشعاره إفشاء السلام، ورايته الرحمة.
قبل السفر للقاهرة بيوم وليلة، وبعيد أذان العصر، سمعنا صياحاً بالقرب منا، ولما ذهبت مع أخى لتفقد الأمر، اكتشفنا أن مصدره تشجيع لمباراة كرة قدم، اقتربنا منها ولم ننتبه فى أى جهة نقف، ولما قام أحد اللاعبين بتمرير الكرة من بين قدم حارس مرمى الفريق المنافس وأحرز هدفاً، ضحكنا وصفقنا للعبة التى رأيناها حلوة.
فجأة كنا كمن هتف للزمالك وسط مدرجات الأهلى، فقد كان أحد الفريقين يتقمص فريق المريخ، والثانى يتقمص فريق الهلال، وهما بالمناسبة كالزمالك والأهلى فى السودان، وتحولت العيون نحونا تحمل غضباً عارماً، ولم نستوعب أن الأمر معقد لهذه الدرجة، إلا عندما حاولنا أن نبرر فعلتنا.
وقف أخى يشرح لهم بهدوء حلاوة اللعبة، وكيف أننا نشجع اللعبة الحلوة، لكن هيهات هيهات، وما إن ضرب لهم أمثلة بلعبات مماثلة فعلها حسن شحاتة أو فاروق جعفر أو حمادة إمام، حتى خرج الأمر عن السيطرة، فقد زاد أخى الطين بلة، فقد كنا نقف وسط جمهور الهلال الذى يكره الزمالك كراهية مساوية لكراهية المريخ.
وبما أن الجرى نصف الجدعنة، أطلقنا قدمينا للريح، هرباً من فتك مؤكد، وكنا نعتقد أن جرياً خمس دقائق سيكون كفيلاً بالابتعاد عن بؤرة المشكلة، لكن الدقائق الخمس امتدت لما بعد أذان المغرب الذى لولاه لكنا ظللنا نركض حتى رمضان الذى يليه، من شدة الإصرار على ملاحقتنا.
هبط الظلام علينا ولم نعد نعرف أين نحن، ولا نعرف طريقاً للعودة للمنزل الذى نحن عليه ضيوف، ونحن وسط هذا الرعب، وجدنا سيدة فى منتهى اللطف والبراءة، تعاتبنا كيف نخرج فى الشارع وقت الإفطار، ولما عرفت أننا تائهون، حتى ضربت على صدرها، من هول صدمتها، وكأنها تعاتب نفسها لظنها السوء فينا.
أمسكت بيدنا وسحبتنا نحو مدخل منزلها وفرشت لنا حصيرة على المدخل، ثم أسرعت وأعدت لنا طبقاً عبارة عن كرات صغيرة من اللحم ومعه طبق من الأرز، عرفنا فيما بعد أنه «الضلع» وهى وجبة سودانية أصيلة تقطع لحم الفخذ الضانى ويتبل بالبهارات والشطة.
ما إن وضعنا أول ملعقة فى أفواهنا، واشتعلت النيران فى عروقنا، حتى نسينا أننا لنا أهل قلقون علينا، أنهينا الطبق الأول، ولما سألتنا إن كنا نريد المزيد حتى أجبنا بنعم فى نفس واحد.
ولما امتلأت بطوننا، وغرقنا فى عرقنا، ذكرتنا السيدة أننا تائهون، عندما سألتنا إن كنا نحب «حلو مر» أم لا؟ قلنا لها «لا» فى نفس واحد، وقتها تذكرنا وسألناها عن طريق للذهاب إلى حلة حمد، سألتنا عن العنوان أو أى معلومة تفيد المكان، لكن لا شىء يعلق فى ذاكرة إنسان بطنه امتلأ بالضلع.
لكن عندما سألتنا عن اسم صاحب البيت قلنا لها عن وظيفته بأنه ضابط شرطة فى المطار، فعرفت المكان وطلبت منا الانتظار دقائق، ثم دخلت وأحضرت صحناً كبيراً من «الضلع»، وضعته فى حقيبة من القماش، وأحكمت لفه، ثم انطلقت معنا نحو المنزل، الذى ما إن اقتربنا منه، حتى وجدنا الشارع وقد تحول إلى بؤرة توتر.
فعندما أذن المغرب ولم نحضر للإفطار، الذى كان مقرراً عند الحاج صالح، ذهب أبى إليه وأخبره أننا لم نحضر منذ خروجنا بعد العصر، وطلب منه أن يساعده فى البحث عنا، لكن الحاج صالح لم يكتف بهذا الأمر، بل طلب من أولاده أن يجمعوا أهل المنطقة كلها للبحث عنا، وبالتالى لم تفطر منطقة حلة حمد فى هذا اليوم.
وصلنا عند بيت الحاج صالح الذى صدم مما جرى فى مباراة كرة القدم، وصدمته زادت وكاد يصاب بجلطة فى قلبه، عندما علم أن ابنه الذى حشد المنطقة كلها بحثاً عنا كان مشاركاً فى المطاردة، لكنه لم ينتبه أننا نفس الولدين اللذين كاد يفتك بهما لأنهما يتبعان مجازاً فريق المريخ.
حكم الحاج صالح على أهل جميع الأولاد، سواء كانوا من أنصار المريخ أو من أنصار الهلال، بأن يقدموا طبقاً من الحلوى لنا اعتذاراً، وأن يقوم كل ولد شارك فى المطاردة بإيصال طبق الحلوى بنفسه، وقتها جلسنا نأكل حلوى «المديدة» أو حلوى التمر السودانية اللذيذة، حتى مطلع الفجر.