بأمر الحاكم: الفاحشة الكبرى جزاء من يغش فى أقوات الناس

تناوب على السلطة خلال العصر الفاطمى عدد من الخلفاء، كان أولهم المعز لدين الله الفاطمى، وهو أول من دخل ديار مصر منهم وبُنيت له القاهرة المعزية، ثم ابنه العزيز، ثم ابنه الحاكم منصور، ثم ابنه الطاهر على، ثم ابنه المستنصر، ثم ابنه المستعلى أحمد، ثم ابنه الآمر منصور، ثم ابنه الظافر إسماعيل، ثم الفائز عيسى، ثم ابن عمه العاضد عبدالله، وهو آخر الخلفاء الفاطميين بمصر. وقد ذاعت شهرة بعض هؤلاء الخلفاء أكثر من غيرهم. وربما كان الخليفة الأشهر فى الحكم الفاطمى هو الحاكم منصور بن العزيز بن المعز لدين الله. وكان لقبه الحاكم بأمر الله. وكان جوهر شهرة «الحاكم» مرتبطاً بسلوكياته المرتبكة المتناقضة فى الكثير من الأحيان. ومن باب التنبيه نقول: إن أغلب الحكايات التى تروى عن الحاكم بأمر الله جاءت فى كتب سطرها مؤرخون ينتمون إلى المذهب السنى، وبالتالى فهى لا تخلو فى أحيان من بعض المبالغة الهادفة إلى التشويه. تولى الحاكم بأمر الله الحكم سنة 386 هـ، وكان عمره إذ ذاك إحدى عشرة سنة وستة أشهر وقام بتدبير المملكة «برجوان» الخادم وأمين الدولة الحسن بن عمارة، فلما تمكن الحاكم من السلطة قتلهما، ثم تخلص بعد ذلك من «الحسين»، قائد القواد، الذى خلف جوهر الصقلى بعد وفاته، حتى يستقيم له أمره ويسيطر سيطرة كاملة على مقاليد البلاد. ويسجل «ابن كثير» أن «الحاكم» هو أول من عوّد المصريين على أن يقفوا إجلالاً وتعظيماً لاسمه عندما يرد فى خطبة الجمعة. ويرتبط باسم هذا الرجل الفريد فى التاريخ الفاطمى العديد من الحكايات الأخرى التى تحمل إجراءات اتخذها من أجل ضبط أوضاع العوام من أهل مصر. من ذلك على سبيل المثال: «فى سنة 405هـ، منع الحاكم النساء من الخروج من منازلهن أو أن يطلعن من الأسطح أو من الطاقات (النوافذ) ومنعهن من الخروج إلى الحمامات، وقتل خلقاً من النساء على مخالفته فى ذلك، وهدم بعض الحمامات عليهن، وجهز نساء عجائز كثيرة يستعلمن أحوال النساء لمن يعشقن أو يعشقهن بأسمائهن وأسماء من يتعرض لهن، فمن وجد منهن كذلك أطفأها وأهلكها ثم إنه أكثر من الدوران بنفسه ليلاً ونهاراً فى البلد فى طلب ذلك، وغرق خلقاً من الرجال والنساء والصبيان ممن يطلع على فسقهم فضاق الحال، واشتد على النساء وعلى الفساق ذلك ولم يتمكن أحد منهم أن يصل إلى أحد إلا نادراً». وبغض النظر عن جانب التعسف فى الإجراء الذى اتخذه الحاكم كما يحكيه «ابن كثير» فى المقطع السابق، إلا أنه يكشف من زاوية أخرى انتشار حالة من الفساد والعلاقات المشبوهة بين الرجال والنساء، وأن المرأة فى ذلك العصر كانت تمارس حريتها فى الخروج والدخول والذهاب إلى الحمامات والنظر من الشرفات، مما ينفى الأقوال الشائعة التى تذهب إلى أن النساء كن محرومات من ممارسة الحق فى التنقل! حكاية أخرى يقصها «ابن كثير» يذكر فيها أن «الحاكم كان يقيم الحسبة (إقامة الدعاوى على المخالفين وعقابهم) بنفسه؛ فكان يدور بنفسه فى الأسواق على حمار له وكان لا يركب إلا حماراً؛ فمن وجده قد غش فى معيشة الناس أمر عبداً أسود معه يقال له مسعود أن يفعل به الفاحشة العظمى، وهذا أمر منكر ملعون لم يسبق إليه». اللافت فى هذا النص تلك العقوبة الغريبة التى حددها الحاكم بأمر الله لمن يغش فى معيشة وأقوات الناس، لكن الأغرب منها استنكار «ابن كثير» للعقوبة وعدم توقفه أمام الجرم. يشير «ابن كثير» أيضاً إلى أن «الحاكم ألزم الناس بغلق الأسواق نهاراً وفتحها ليلاً فامتثلوا ذلك دهراً طويلاً حتى اجتاز مرة برجل يعمل النجارة فى أثناء النهار فوقف عليه فقال: ألم أنهكم؟ فقال: يا سيدى لما كان الناس يتعيشون بالنهار كانوا يسهرون بالليل ولما كانوا يتعيشون بالليل سهروا بالنهار فهذا من جملة السهر. فتبسم وتركه وأعاد الناس إلى أمرهم الأول. وكل هذا كان تغييراً للرسوم واختباراً لطاعة العامة له ليرقى فى ذلك إلى ما هو أشر وأعظم منه». النص السابق يحمل مفارقة أيضاً تعكس موقف «ابن كثير» من «الحاكم»؛ فهو يستغرب القرار الذى اتخذه الحاكم بجعل العمل بالليل والنوم بالنهار، وفسر إصداره هذا القرار وعدوله عنه بعد الاستماع إلى فرد من رعيته بأنه كان يختبر مدى استجابة المجموع لقراراته لكى يمهدهم لما هو أعقد وأصعب، وهو للمرة الثانية لا يتوقف أمام رجوع «الحاكم» إلى الحق على يد واحد من عوام المصريين، والأمر الأشر والأعظم الذى يقصده «ابن كثير» فى هذا النص يرتبط بذلك الاتهام الساذج الذى يصم «الحاكم» بـ«ادعاء الألوهية»!