دراويش «التقعر».. ومتعة القراءة المفقودة

قبل حوالى ربع قرن كتب المفكر الراحل الدكتور جلال أمين مقالاً بديعاً عن إحدى الروايات التى صدرت فى القاهرة وأحدثت لغطاً كبيراً بسبب ما فيها من اجتراء فاحش على الأخلاق والثوابت الدينية. وآنذاك انقسم المثقفون الكبار إلى فريقين متصارعين حول الرواية، الأول يدافع عن حرية الإبداع دون سقف، والثانى يندد بالرواية ويطالب بمصادرتها ومحاكمة كاتبها. واختار جلال أمين أن يدخل المعركة بطريقة مختلفة، كانت شديدة البساطة ولكنها أيضاً كانت كاشفة لحجم الزيف والادعاء والركاكة فى الكثير مما يكتبه مثقفون كبار، باعتباره فكراً عميقاً، وهو فى الحقيقة كلام فارغ لا معنى له على الإطلاق!

وآنذاك توقف جلال أمين مطولاً أمام ما كتبه أكاديمى كبير وناقد أدبى ذائع الصيت عن الرواية، واقتطع فقرات مطولة مما كتبه هذا الأكاديمى وراح يفحصها لفهم معناها، فإذا بها لا تسفر عن أى معنى لأنها كانت كلها من قبيل: «التتابع الانسيابى لأنساق التواتر الملغز والمتنامى بحثاً عن إعاقة الأنا الجمعية للذات المفردة المتفردة فى آنيتها»!!. وكان جلال أمين - رحمه الله - كلما انتهى من فحص فقرة من فقرات الناقد الكبير، يتساءل: هل لهذا الكلام أى معنى؟!

والحقيقة أننى تصورت بعد قراءة مقال جلال أمين، أن «مدرسة الكتابة» التى ينتمى إليها الأكاديمى ذائع الصيت، لا بد أنها ستراجع ذاتها، وأن عشرات الكتاب والنقاد و«المبدعين» المنتمين لهذه النوعية من الكتابة، لن يكون بإمكانهم الاستمرار فى افتعال الغموض، وخصوصاً بعد هذا الفحص الكاشف لانعدام قيمة ما يكتبون.

ولكن ما حدث بعد ذلك هو أن هذه الكتابات انتشرت أكثر، وانتقلت من صفحات المجلات المتخصصة ثقيلة الظل إلى إصدارات دور نشر وهيئات نشر عملاقة وجماهيرية مثل الهيئة المصرية العامة للكتاب، وهيئة قصور الثقافة، وإصدارات مكتبة الأسرة أيضاً.

وأن تنتشر مثل هذه الكتابات التى تفتعل الغموض، فى دوريات فكرية أو ثقافية متخصصة، فهو أمر قد يكون مقبولاً لدى بعض الناس، ولكن ما لا يمكن قبوله أبداً أن يقوم شخص ما بحذف المقدمة الرائعة التى كتبها الأديب الراحل إبراهيم أصلان لإصدارات مكتبة الأسرة، ويضع بدلاً منها مقدمة تحمل توقيع فوزى فهمى، وأكاد أجزم أنه لا يوجد قارئ واحد بإمكانه أن يحتملها وخصوصاً أنها تبدأ بما يصد النفس عن أى قراءة: «الحقيقة المؤكدة التى تنطلق منها مكتبة الأسرة، هى أن تجليات الارتقاء فى الممارسات المجتمعية، تتحقق عندما ينشط النسق المعرفى والفكرى والثقافى للمجتمع ويتسع، بوصفه أهم الدوائر المؤثرة فى استمرار المجتمعات وتطورها واستقرارها، حتى لا يصبح المجتمع أسير أجوبة متخشبة جاهزة متوارثة فى مواجهة ضغوط احتياجاته، باجترار ثوابت معرفية تجاوزتها فتوحات الزمن المعرفى الراهن»!!، نعم يا سادة.. تلك هى عينة من مقدمة ثابتة يتم نشرها مع كل إصدارات «مكتبة الأسرة» التى لا يجهل أحد أنها «مشروع عملاق ونبيل» يهدف إلى نشر ودعم قيمة القراءة بين المواطنين.

الأمر ذاته يحدث فى مطبوعات جماهيرية تستهلك أطناناً من الأوراق ثم تتكدس بعد ذلك فى المخازن حتى تقرأها حشرات الورق.. ومنذ حوالى عامين عثرت لدى باعة الصحف على كتاب ضخم من جزئين أصدرته هيئة قصور الثقافة تحت عنوان «أسئلة الثورات العربية - الثورة والوجود»، فظننت أنى عثرت على كنز معرفى يتناول بالدرس المستفيض والهادئ أسباب وتداعيات ثورات الربيع العربى، وبعد فترة فتحت الجزء الأول لأفاجأ بأننى أمام المرض ذاته.. مرض الكتابة التى تدّعى أنها تقول شيئاً خطيراً، ثم تكتشف أنها لا تقول شيئاً على الإطلاق.. وها هو الأستاذ الأكاديمى مؤلف الكتاب الضخم يبدأه بـ«اعتذار واجب» يقول فيه: «فى البداية أقدم اعتذارى لثورة 25 يناير.. لأننى تجاسرت فكتبت عن ثورة ما زالت تكتب نفسها كل لحظة، فلا يكتبها غير نفسها، إذ كيف نكتب زمانها ومكانها وبرنامجها ورؤاها ورؤيتها ومتخيلها ومستشرفها؟.. كيف نكتب زماناً لا ينفصل فيه حاضر متحرك الماضى عن حاضر متحرك المستقبل».. والمؤلف إذ يشعر بغموض ما كتب، فإنه يعود بسرعة لتوضيحه بقوله: «فتاريخ الكتابة هو تاريخ العجز عن الكتابة، وبذلك تكون الكتابة شهادة على الغياب لا الحضور، فهى تحويل للشىء الحى إلى صورة كربونية مستنسخة حتى لو كانت صورة مشهدسة باذخة». ولا تنتهى محاولات المؤلف لتوضيح ما يقصده بفقرات مطولة تأتى أكثر التباساً وغموضاً وبلا أى معنى.

ولأن حضيض الادعاء لا قاع له، فقد امتدت هذه الظاهرة العبثية إلى سلسلة إصدارات مكتبة نجيب محفوظ التى تصدرها الهيئة العامة للكتاب، ويشرف عليها الروائى المعروف الأستاذ يوسف القعيد.. ولقد كنت أظن أن نجيب محفوظ عميد الكتابة العربية الباهرة، سيظل مصوناً عن هذا الاجتراء التافه.. ولكن الكتاب رقم «19» فى السلسلة وعنوانه «العائش فى السرد» أتحفنا بما لم يكن يخطر على البال.. وها هو مؤلف الكتاب يتناول بالنقد والتحليل روايتين من أهم روايات محفوظ هما «ميرامار» و«يوم قُتل الزعيم»، فيكتب عن الأولى تحت عنوان: «ميرامار.. ملاحقة التحولات الزمكانية فى ركح الوعى وجيبوب اللاوعى».. آى والله: «ركح الوعى وجيبوب اللاوعى»!، ثم يتقدم فى التحليل ليشرح لنا: «التبئير الإيديولوجى والانصباب السياسى»، وفى الجزء الثانى من الكتاب يتناول المؤلف «أصداء السيرة الذاتية» لمحفوظ، تحت عنوان: «السرد الفسيفسائى من التشظى إلى التضام»!، وهو يشرح ما يقصده من هذا العنوان بقوله: «إذ قام محفوظ بعملية توليفية من عناصر متشظية ووحدات متشذرة ليشكل لوحة فسيفسائية تتضام أجزاؤها على ما تفتقده من ترابط زمنى متسلسل... وتعصى أى توالٍ زمنى فتتخذ من بلاغة التفكيك مسلكاً بنائياً، فترصد ومضات تتحرر من كل تتابع زمنى متصاعد» ص 62.

المؤلم حقاً أن هذا التداعى العبثى يمكن التعبير عنه دائماً بوضوح شديد ودون تقعر مقصود يهدف عادة إلى إيهام القارئ بعمق الكاتب وكتابه.. وتأتى النتيجة دائماً بأن يكفر القارئ بهذه السخافات العميقة ويتركها إلى الكتابات الخفيفة التى يفتقر كاتبوها أيضاً إلى أدنى شروط المعرفة والكتابة، لتظل الشكوى من تراجع القراءة معلّقة فوق رؤوسنا وكأنها قدر لا فكاك منه.. ولعل الصحفية الإيطالية «أورسولا ليندسى» المتخصصة فى الثقافة والسياسة العربية قد وضعت يدها على العلّة الكامنة وراء انصراف المواطن العربى عن القراءة، بقولها: «فى كل مرة أسمع أحدهم يشكو من كون الناس لا تقرأ فى العالم العربى.. أتساءل: هل هذا صحيح؟، وإذا كان الأمر كذلك، فما السبب؟».. ثم تجيب: «تمتلك المنطقة العربية علاقات تاريخية عميقة مع الكلمة المكتوبة والتراث الأدبى الغنى... لكن المفقود فى تجربة القراءة قد يكون شيئاً بسيطاً للغاية.. ألا وهو: «المتعة». نعم يا سادة، نعم يا رعاة ودراويش التقعر: «المفقود هو المتعة» فارحمونا من موات الكتابة حتى نضاعف وجودنا بالقراءة الممتعة.