جدل دستوري حول «25 يناير»
منذ 25 يناير 2011م، وكلما حلَّ الشهر الأول من العام الميلادى، يثور الجدل حول ما حدث فى مصر وغيرها من دول المنطقة فى هذه المرحلة التاريخية الفارقة، وما إذا كانت هذه الأحداث تشكل ثورة شعبية، أم حراكاً شعبياً، أم هوجة، أم مؤامرة متكاملة الأركان تم التخطيط لها فى إطار نظرية الفوضى الخلاقة لتقسيم المنطقة العربية إلى دويلات صغيرة وتمكين تيار الإسلام السياسى من حكم المنطقة؟ ومنذ مطلع يناير 2021م، تجدد الجدل والنقاش حول هذا الموضوع بين مؤيد أو ذى نظرة إيجابية لما حدث، وبين معارض لها معتبراً أنها مؤامرة متكاملة الأركان. وهكذا، وبمناسبة مرور عشر سنوات على 25 يناير 2011م، يرى البعض أنه من الواجب توجيه الشكر إلى الثمانية عشر يوماً الممتدة منذ تفجر الأحداث فى الخامس والعشرين من يناير حتى تنحى الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك فى الحادى عشر من فبراير، مؤكداً أن هذه السنوات العشر الكاشفات الثاقبات لها أفضال لا تُعد أو تُحصى على كل مصرى ومصرية، سواء من حيث الإيمان بالقدرة على التغيير، أو انخراط ملايين الملتزمين بمقاعد المتفرجين فى شئون السياسة والاقتصاد والمجتمع بشكل مذهل، أو من حيث اكتساب ملكات التغير والتفكر والتدبر بفعل التغيرات الكبرى التى أحدث الشعب نفسه بعضها وفُرِض عليه البعض الآخر.
وفى الاتجاه ذاته، يرى البعض أن التاريخ سيظل شاهداً على أن ثورة الشباب فى 25 يناير 2011م نقطة فارقة فى الحياة المصرية، مبرراً ذلك بما قادت إليه من رفع الغطاء عن قوة دينية خدعت الكثيرين قبل هذا التاريخ، دافعوا عنها وتصوروا أنها قوة إصلاحية، يجب أن تُعطى لها فرصة الحكم، وما أن مُنحت تلك الفرصة، فإذ بها تسقط وسط الميدان سقوطاً ذريعاً، أسقط معه كل أوهام التمكين مصرياً وعربياً. وهو السقوط الذى جلب فرصة الثورة الشعبية الشاملة مرة أخرى ضد هذا الخداع، وجلب معه فرصة إعادة بناء الوطن ومؤسساته ودوره وتماسكه وترابط أبنائه.
وفى المقابل، فإن التيار القائل بأن 25 يناير مؤامرة متكاملة الأركان يستند إلى تسريبات رسائل هيلارى كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية (يناير 2009 - يناير 2013)، وما كشفت عنه هذه الرسائل من دور فاعل ومؤثر للولايات المتحدة الأمريكية فى دفع الأمور نحو ما حدث فعلاً من فوضى عارمة فى بلدان الربيع العربى بهدف تمكين جماعات الإسلام السياسى من حكم هذه البلدان. ورغم أن البعض يربط بين إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما وبين الأحداث، فإن رأياً آخر يؤكد أن الأمر كان مخططاً له منذ أيام الرئيس الأمريكى الأسبق جورج بوش الابن، مستنداً فى ذلك إلى مقطع فيديو تم تداوله على «فيس بوك»، اعترفت فيه كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية فى الولاية الثانية لجورج بوش الابن بمساهمة بلادها فى صناعة 25 يناير 2011م. وقد تم تسجيل وتصوير هذا الحديث لكونداليزا رايس يوم 26 مايو 2011م أثناء حضورها مؤتمراً فى مركز جورج دبليو بوش المعنى بالتطبيق العملى لدراسات المؤسسات الفكرية المعروفة بالـ(Think Tank)، تحت عنوان «الحرية ودروس مستفادة من الشرق الأوسط»، بحضور الرئيس الأسبق بوش الابن، وتعترف فيه بدور الإدارة الجمهورية فى صناعة الثورة فى مصر، على حد قولها.
وفى ظل هذا الجدل الذى لا ينقطع حول 25 يناير 2011م، فإن الجدل الدستورى والقانونى حول الأحداث ظل غائباً أو لم يظهر سوى على استحياء فى أحسن الأحوال. بيان ذلك أن ديباجة الدستور المصرى الحالى الصادر فى الثامن عشر من يناير 2014م قد تضمنت وصف 25 يناير بأنها ثورة، مقرنة إياها بثورة 30 يونيو فى عبارة واحدة هى «ثورة 25-30 يونيو»، وذلك فى موضعين. ثم أشارت إليها بعد ذلك ثلاث مرات، بعبارة «هذه الثورة». وأخيراً، ورد توصيف الثورة فى عبارة «شهداء الثورة فى زماننا». ومع ذلك، ورداً على ما قد يراه البعض من إلزامية هذا التوصيف الدستورى، يذهب رأى إلى أن مثل هذا الوصف مردود بسيطرة العاطفة الجياشة فى توقيت كتابة تلك العبارات، الأمر الذى يرى معه من الملائم استدعاء الظرف التاريخى العاطفى فى تلك الظروف الدقيقة التى كانت تجتازها مصر، ومؤكداً بالتالى أن هذا الوصف لا يعدو أن يكون وصفاً أدبياً راقياً وليس قانونياً. ويبدو أن الرغبة فى استبعاد وصف «الثورة» قد قادت صاحب هذا الرأى إلى الدعوة لإعداد دستور جديد للبلاد. والواقع أن وصف «الثورة» لم يرد فحسب فى ديباجة الدستور، وإنما ورد كذلك فى المادة السادسة عشرة منه، بنصها على التزام الدولة بتكريم شهداء الوطن ورعاية مصابى الثورة. ومن ثم، يمكن القول إن 25 يناير -بحسب التوصيف الدستورى لها- هى ثورة غير مكتملة أو هى موجة ثورية انحرفت عن الطريق الصحيح، بسبب استغلال جماعة الإخوان الإرهابية لها، ولم يتسن عودتها إلى السبيل القويم سوى فى الثلاثين من يونيو 2013م. وفى اعتقادى أن توصيف أحداث 25 يناير 2011م يثير عدة موضوعات دستورية وقانونية، تتعلق بمدى القوة الإلزامية لديباجة الدساتير، ونظرية الفاعل المعنوى فى فقه القانون الجنائى، والتفرقة بين الاتفاق والتوافق فى نظرية المساهمة الجنائية.. وللحديث بقية.