تغير القيم الاجتماعية
تعانى منظومة القيم الاجتماعية أزمة حقيقية تعكسها السلوكيات والتعاملات اليومية فى المجتمع المصرى، حيث تتغير منظومة القيم النبيلة التى استقرت فى مجتمعنا شيئاً فشيئاً حتى كاد أن يحدث التباس بين الصواب والخطأ فانتشر الكذب والخداع والأنانية والفهلوة وانتهاز الفرص وتغليب المصالح واللامبالاة بدلاً من قيم العمل والكفاح والاجتهاد والأمانة والشفافية واحترام الكبير.. وكادت الأصول فى تعاملاتنا تختفى رغم أنها كانت قد استقرت فى وجدان المجتمع وغُرست فى عقولنا وفى وجداننا منذ الطفولة.. حيث كان مجتمعنا يبتعد عمن يثبت فساد أخلاقه، لكن الآن لم يعد ذلك موجوداً، فيمكن لفنان عُرف بفساد أخلاقه فى تعاملاته أن يلقّب بأنه نجم جماهيرى ويلتف حوله المنتجون والمعجبون لالتقاط الصور معه.. وكان مجتمعنا حينما تتزوج سيدة رجلاً متزوجاً فإن الزواج الثانى لا يُُعلن ويتوارى الزوجان عن الأنظار لأن المجتمع كان يرفض أن يتم جرح أم الأولاد، أما الآن فيحدث العكس حيث تتباهى بعض السيدات بذلك..
كان المجتمع يرفض الألفاظ النابية فى التعاملات، لكن الآن نسمع الألفاظ النابية فى كل مكان فى الشارع وفى الدراما وكأنها من سمات الشعب المصرى.. كان مجتمعنا يتميز باحترام الأكبر سناً، لكن الآن اختفى هذا التقدير من حياتنا، وكان مجتمعنا يرفض معاكسة البنات أو التحرش بهن، وكان من يتم ضبطه بهذا يتولى شباب المنطقة زجره وضربه فى بعض الأحوال، وكان هناك عُرف بحلق شعر مَن يُضبط فى الشارع يعاكس فتاة.. والآن ورغم وجود قانون يعاقب التحرش، فإن التحرش لا يتوقف فى الشارع المصرى..
كان مجتمعنا يستنكر التباهى بالفاحشة والشذوذ والخروج على الآداب العامة؛ والآن أصبح التباهى بالمثالية والشذوذ والابتذال وجرح المشاعر بالصور البذيئة يملأ وسائل التفكك الاجتماعى..
والسؤال الآن هو: أين ذهبت قيمنا النبيلة؟ ولماذا اختفى الرقى والذوق والأخلاق من تعاملاتنا؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تتلخص فى غياب التربية بدءاً من الأسرة؛ أى الأم والأب، ثم المدرسة التى اختفى دورها فى التربية تماماً، ثم الفن ودوره الغائب، خاصة الدراما والأفلام التى لا تحمل رسالة بل تحرّض على البلطجة والمخدرات وتنشر الفجاجة والألفاظ النابية.. حيث رأينا بعد يناير 2011 أموالاً تُنفق لتقديم دراما تهبط بالذوق العام، وأفلاماً مليئة بالعنف والبلطجة والألفاظ السوقية بدعوى أن الجمهور يقبل على هذه الأفلام، وأصبح الفن الراقى عملة نادرة، والثقافة أصبحت فى حاجة إلى استعادة رسالتها الإنسانية بإعلاء قيم الحق والخير والجمال. لهذا لا بد أن تقوم الدولة بإنتاج أفلام ومسلسلات درامية تستهدف نشر القيم النبيلة بين الجمهور، ولا بد أن تعود المدارس إلى دورها فى تربية النشء على الأخلاق الحسنة، مع عودة الفنون الراقية والموسيقى والرياضة إلى مدارسنا، وإعلاء قيم التفوق والأخلاق النبيلة.. ورفض أساليب البلطجة والعنف بين تلاميذ المدارس والجامعات.. ورفض الفكر المتشدد والتطرف الذى ما زال ينخر كالسوس فى مجتمعنا.. إن استعادة سمات الشخصية المصرية ذات العراقة التى تتحلى بالقيم النبيلة والأخلاق الفاضلة ضرورة؛ لأن القيم بمضمونها العميق إذا ما اهتزت فإنها يمكن أن تفقد المجتمع وحدته وتماسكه واستقراره.. ولا شك أن استعادة القيم الاجتماعية والثقافية والأخلاقية قد أصبحت ضرورة ملحة للحفاظ على سمات الشخصية المصرية العريقة.. وهذا لن يحدث إلا بتكاتف من يتطلعون إلى مستقبل أفضل للوطن وتفعيل دور المفكرين والمثقفين والمبدعين للمشاركة فى خطط تقدم الوطن..