موقع مصر على خريطة القوى الناعمة (3)
بالنظر إلى الوزن النسبى لكل عنصر من عناصر القوة الناعمة السابق الحديث عنها فى المقالين السابقين، يمكن تفسير لماذا تحتل الصين -مثلاً- مرتبة متأخرة دائماً فى مؤشر القوة الناعمة، فتذيلت المؤشر فى نسخته الأولى عام 2015، وفى نسخة 2016 احتلت المرتبة 28، وفى نسخة 2017 جاءت فى المركز 25، وفى نسختى 2018 و2019 حافظت على الترتيب 27 من بين 30 دولة، وذلك على الرغم مما لديها من ثروة من أصول القوة الناعمة، عندما يتعلق الأمر بالثقافة والتاريخ، كما أن حجم سكانها الكبير يعطيها قوة وجماهيرية شعبية ونفوذاً سياسياً، كما أن قوة اقتصادها جعلتها قطباً اقتصادياً دولياً، ولكن مع كل تلك المقومات الناعمة تذيلت الصين الترتيب منذ انطلاقه، لأن النظام السياسى فيها لم يواكب الدينامية الاقتصادية للبلاد.
ووفقاً لهذه المؤشرات أيضاً، يمكن تفسير لماذا خرجت كل الدول العربية من التصنيف، فعلى الرغم مما تملكه مصر من عمق تاريخى وموروث حضارى وثقافى ضخم، فإن هذا الموروث لم يكن شفيعاً لدخول قائمة أكثر 30 دولة امتلاكاً لمقومات القوة الناعمة بالنظر إلى أوجه النقص الشديدة التى تعانيها مصر فى بقية المؤشرات، لا سيما المؤشر المتعلق بجودة النظام التعليمى، حيث تحتل مصر دائماً مركزاً متراجعاً فى مؤشر جودة التعليم العالمى الصادر عن المنتدى الاقتصادى العالمى، كذلك فيما يتعلق بعدد المقالات المنشورة فى الدوريات العلمية والتقنية حيث بلغ هذا الرقم -وفقاً لإحصاء للبنك الدولى- 9199 مقالة فى 2013، أما المؤشر المتعلق بالإنتاج الرقمى، فتحتل مصر المركز 107 من بين 193 دولة فى مسح الأمم المتحدة للحكومات الإلكترونية، كما تأتى دائماً فى ذيل المؤشر العالمى لسرعة الإنترنت، حيث احتلت فى تقرير عام 2017 المركز 129 من بين 134 دولة شملها التقرير.
حتى فى المؤشر المتعلق بالإنتاج الثقافى، الذى كانت تستقى منه مصر مصادر قوتها الناعمة حدث به تراجع كبير لا يحتاج إلى جهد لتبينه أو إحصاءات لرصد مدى التدهور الذى أصابه، وإن كان ذلك لا يمنع من إشارة سريعة لبعض بيانات الجهاز المركزى للإحصاء التى رصدت تراجعاً كبيراً فى أعداد دور العرض السينمائى من 269 دار عرض فى عام 2013 إلى 65 دار عرض فقط فى 2016، فيما خلت 8 محافظات تماماً من وجود أى دور عرض، كذلك فيما يتعلق بعدد حفلات الفرق المسرحية العامة التى تراجعت من 959 حفلة فى عام 2003 إلى 482 حفلة فى عام 2012. وبالتأكيد فإن اللجوء لمزيد من الإحصاءات فى بقية القطاعات الثقافية والفنية سيثبت حالة مماثلة من التراجع ربما سببها انسحاب الدولة من كثير من هذه القطاعات.
فى المقابل، تستطيع هذه المؤشرات تفسير لماذا تحتل دول، مثل فرنسا وبريطانيا وأمريكا، صدارة «مؤشر القوى الناعمة 30» منذ إطلاقه حتى الآن، متبادلة المركز الأول فيما بينها. فعلى سبيل المثال، برر المؤشر احتلال بريطانيا صدارته فى نسخة 2015 بالتأثير الذكى الذى جلبته بريطانيا عن طريق فريق البيتلز، ومجموعة أفلام هارى بوتر، وأعمال شكسبير، وشهرة ديفيد بيكهام، وتأثير العائلة المالكة، وجماهيرية الدورى الإنجليزى، وجودة جامعاتها، وجاذبية نظامها السياسى، ونجاحها فى استضافة دورة الألعاب الأولمبية لعام 2012 التى مكنتها من استعادة ثقتها وتأثيرها الدولى بشكل كبير، وتمكنها من جلب استثمارات أجنبية مباشرة كبيرة، فيما كانت العاصمة لندن السبب الرئيسى فى تصدر بريطانيا المؤشر باعتبارها أكثر مدينة تمت زيارتها فى العالم.
لكن مفاوضات بريكست كانت سبباً رئيسياً فى فقدان بريطانيا صدارة التصنيف فى عام 2016، التى ذهبت إلى الولايات المتحدة بسبب وجود أكثر من مليونى طالب أجنبى فى جامعاتها، و90 ألف باحث أجنبى فى مؤسساتها، مع قدرتها على تصدير 66% من الأفلام والبرامج التليفزيونية فى العالم، وامتلاكها نحو 23% من القنوات الفضائية العالمية، بالإضافة إلى عناصر كثيرة بالطبع للقوة الناعمة، فيما ذهبت صدارة التصنيف فى عام 2017 إلى فرنسا، قبل أن تعود مرة أخرى إلى بريطانيا فى نسخة عام 2018 ثم عادت فرنسا واحتلت صدارة المؤشر فى نسخته الأخيرة عام 2019.