«المساكن القديمة» تحدٍّ جديد للعدالة الاجتماعية

حازم منير

حازم منير

كاتب صحفي

لو أن مشكلة إيجارات الشقق القديمة تنحصر فى تدنى قيمتها الإيجارية فقط، فإن حل المسألة سهل ويسير، ومن دون إثارة أى أزمات أو مشكلات اجتماعية بين المصريين، ويُمكن بالعديد من الأفكار والمقترحات الإيجابية تقديم حلول عادلة مرضية لكل أطراف المعادلة المعنيين.

المشكلة أن أزمة هذا الملف الحقيقية تتعلق برغبات تحقيق الثراء السريع غير المنطقى، ولو على حساب أطراف أخرى فى المجتمع، كما تتعلق بمصالح شركات وأصحاب أنشطة مقاولات، يسعى بعضهم إلى استثمار الفرصة تحت شعارات تحقيق العدالة، بهدف استغلال الموقف فى عمليات شراء وهدم وبناء، وباختصار خطف جانب مهم من الثروة العقارية لمصالحهم الذاتية، وهى أهداف ستلحق بالمجتمع أضراراً بالغة بعضها فى أحيائه التاريخية، والبعض وهذا الأهم فى تماسكه المجتمعى.

قبل الدخول فى تفاصيل هذا الملف الشائك، من المهم الإشارة إلى جماعات ضغط، تتكون من مُلاك عقارات، ويقف خلفها شخصيات ومقاولون وأصحاب شركات، وجميعهم من قبل سنوات عدة، وهم ينظمون حملات إعلامية، من خلال البرامج المُستأجرة فى بعض الفضائيات «شراء الهواء»، وتوظيفها فى الضغط من أجل تحرير العلاقة الإيجارية فى المساكن القديمة، وإخلاء المساكن من المستأجرين، بإثارة عواطف الناس «المُلاك المقهورون» «المستأجرون الظالمون» «نملك عمارات ولا نستطيع مواجهة أعباء الحياة» أو «المستأجرون أغنى من أصحاب العمارات»، وهكذا تم ترتيب تلك الحملات الإعلامية، لصناعة بيئة ملائمة تدعو لإعادة الحق إلى أصحابه المقهورين.

الحاصل أننا أمام مشكلة حقيقية، لو نظرنا لها من جوانبها الصحيحة، وهى تلك المتعلقة بحقوق المجتمع من ناحية، وبحقوق أطراف المشكلة المختلفة، التى تأثرت كثيراً من فترة جمود تشريعى لعشرات السنوات تسببت فى تعقيدات وتشابكات مزعجة، لكن ظنى أنها ستكون أزمة فعلية، لو تعاملنا معها بحساب السعى لتحقيق الثراء السريع، أو الانتقام من الذين «احتلوا» البيوت لسنوات طويلة، بغير رغبة أصحابها، والتعامل مع الأمر بمنطق «البتر» السريع للمشكلة والانتهاء منها.

الشاهد أننا أمام مليون و800 ألف عائلة تضم فى المتوسط نحو 7 ملايين مصرى، تقيم هذه العائلات فى مساكن تخضع للقوانين القديمة، حسب آخر الإحصاءات الرسمية، لكن من غير الصحيح أن مليوناً و300 ألف وحدة من هذه الوحدات المُستأجرة مغلقة كما يشيعون، لأن هذا الرقم وفقاً للإحصاء أيضاً، متعلق بعقارات مشروعات حكومية، أو عقارات تمليك، وهذا ما أوضحه الإحصاء الرسمى أيضاً، وهى مؤشرات على محاولات إظهار الأمر على غير حقيقته.

المؤكد أن المُلاك يعانون من ثبات القيمة الإيجارية بسبب قوانين اجتماعية أصدرها الرئيس الراحل جمال عبدالناصر لظروف مجتمعية وفى إطار سياسات كانت مُتبعة وقتها، وما زالت هذه القوانين سارية، وهو تصور غير منطقى بالقطع ويحتاج لإعادة نظر بما يحقق للمُلاك مصالحهم وحقوقهم، وفى هذا السياق طُرحت العديد من الأفكار ذات الصلة برفع القيمة الإيجارية بنسب تتفاوت مع الوضع فى الاعتبار الفروق الزمنية فى سنوات التأجير والموقع الجغرافى والعديد من المواصفات والإطارات المحيطة بالأمر، وهو تصور كفيل بتحقيق طفرة قوية فى عوائد الملكية لأصحابها، خصوصاً أن هذه الأفكار ترتبط بزيادة سنوية فى القيمة الإيجارية فى ضوء ما ستصل له الأجرة بعد تعديل الأوضاع.

اللافت أننا دائماً نبدأ دراسة هذا الملف من نقطة هجوم «المظلومية»، وننطلق من منطقة إثارة النزاعات المجتمعية، ونسقط أسرى مناخ الاحتقان المحيط بهذه القضية، ونتجاهل أن الكثير من الحلول تم اقتراحها، وما زالت موجودة لدى الدولة، وهى حلول جذرية تحقق توافقاً مجتمعياً وفقاً لتصورات مربوطة بجوانب تشريعية وسياسية واقتصادية فى آن واحد.

واحد من جوانب مشكلة هذا الملف، يتعلق بما أُطلق عليه «توريث عقد الإيجار» لأبناء المستأجرين، أو فى تسميات أخرى «تأبيد عقد الإيجار»، وهى حالة تسببت عملياً فى تحويل الشقق المُستأجرة إلى ملكية للقائمين فيها، وقد أنهى قانون تحرير العلاقة الإيجارية فى المساكن منتصف التسعينات هذه المعادلة الظالمة، ووقتها دار نقاش وحوار فى البرلمان وفى المجتمع عن الشقق المُؤجرة قبل هذا التاريخ، واقترح البعض تحرير هذه الوحدات أيضاً، لكن مخاوف تتعلق بواقع حياة ملايين الأسر كان عاملاً مهماً فى الحوار وقتها، خصوصاً أن بعض النصوص فى القانون المدنى تفرض ضوابط وقيوداً لحماية حقوق كل الأطراف وتتيح إجراءات تتعارض مع مفهوم الملكية المطلقة، فضلاً عن أن إدخال التعديلات على الأوضاع التشريعية يتطلب اختيار التوقيت المناسب بما يُقلل من الأضرار المترتبة على هذه التعديلات.

فى إطار هذه المعانى، أستعيد جانباً من مقال كتبته هنا فى «الوطن»، أوضحت فيه تفسير القاضى الجليل الراحل فتحى نجيب، رئيس المحكمة الدستورية العليا الأسبق، فى تفسيره للتعامل مع هذا الملف، وقت أن دار الجدل حوله قبل ربع قرن، حين أكد أن توريث عقد الإيجار مخالف للشريعة الإسلامية، لكنه وضع فى الاعتبار أن «درء الضرر مقدم على جلب المنافع»، واعتبر أيضاً أن تحرير العلاقة الإيجارية سيؤدى إلى كوارث اجتماعية يصعب تدارك نتائجها وتداعياتها، وسيخلق توترات ربما لا يتمكن المجتمع من استيعابها، خصوصاً مع ضخامة الأعداد محل النزاع.

لذلك انتهى التفسير إلى استمرار امتداد عقد الإيجار حتى آخر فرد من أسرة المستأجر الأصلى، على أن يكون مقيماً فى الوحدة المؤجّرة، ولا يمتد إلى أبنائه أو زوجته، بل تنتهى وقتها العلاقة الإيجارية، وبذلك يمكن توفير الحماية للعائلات غير القادرة ومنح المالك زيادات متدرّجة فى القيمة الإيجارية حتى تنتهى تلك الأوضاع نهائياً.

نحن أمام رؤى مختلفة كلها ترتبط بمرجعيات اجتماعية واقتصادية وبالطبع سياسية، وهى إطارات تحيط بقضية يجرى تداولها فى بيئة محتقنة، والمهم هو الوصول إلى صيغة متوازنة تحمى حقوق الجانبين معاً، من خلال زيادات ملائمة للقيمة الإيجارية فى ضوء الزمان والمكان والجغرافيا، وحماية العائلات، والحفاظ على تماسك النسيج المجتمعى، من خلال منع طرد المُستأجرين بصياغات مباشرة أو حتى غير مباشرة.

السكن سُترة ووطن، فلا تهدوه واحفظوه بأهله ومالكيه.