الجيش.. وملكية أراضى الدولة

كانت معسكرات الجيش، وإلى حد ما معسكرات الشرطة، تنتشر حول العاصمة ضمن سياسات سابقة كانت ترى أن مهمة القوات المسلحة هى حماية النظام لا حماية الحدود، وضمن سياسة مركزية كانت ولا تزال ترى أن القاهرة هى مصر، كما يقال على ألسنة الناس. معسكرات كثيرة وبمساحات شاسعة؛ فالصحراء واسعة، ولا يوجد من يعترض، ولا من يخطط للمستقبل، ولا من يملك نظرة تمتد نحو الأفق تتجاوز الزمان والمكان. ومع التمدد العمرانى الكبير الذى شهدته القاهرة دخلت تلك الأراضى ضمن الحيز العمرانى، بل أصبح بعضها فى مواقع حيوية جداً. هذه الأراضى ملك للدولة؛ فهى المالك الطبيعى لتراب الوطن، ومن المنطقى والطبيعى أن تعود تلك الأراضى للدولة لتتصرف فيها وفق احتياجات الشعب، لكن ما حدث أن الجيش والشرطة لم يعيدا الأراضى للدولة، وإنما أقاما عليها مشروعات سكنية وتجارية خاصة، وخصصت المساكن على المنتسبين للمؤسستين، وبيعت المساكن والمشروعات التجارية ودخلت حصيلة البيع فى صناديق خاصة بالمؤسستين. وقد تكرر ذلك فى أماكن أخرى كثيرة فى مصر، ومعسكر مصطفى كامل فى الإسكندرية أحد تلك النماذج. هذا الوضع لا نجد مثيلاً له فى باقى الوزارات؛ فحين أرادت الحكومة التخلص من المصانع والشركات التابعة لوزارة الصناعة مثلاً لم تسلم الأراضى للوزارة لتقيم عليها مساكن خاصة بموظفيها، وإنما بيعت المصانع والشركات ودخلت حصيلة البيع فى خزانة الدولة، وهكذا فى باقى الوزارات. هذا الوضع غير الطبيعى ينبغى وضع نهاية له، بحيث تعود الدولة لتبسط «سيادتها» على كامل أراضيها، ويكون استخدام الأراضى وفق احتياجات كل جهة، فإن انتفت الحاجة لهذا الاستخدام عادت الأرض لمالكها الطبيعى. ويتصل بهذا الأمر أن بعض الأماكن تحتاج إلى توسعات مهمة من أجل حل أزمة المرور بسبب ضيق الشوارع والميادين، وقد يكون الحل فى أن «تتنازل» إحدى الجهات الحكومية عن «وضع يدها» على جزء من أرض الدولة ليتم حل المشكلة، لكن ذلك لا يحدث إلا فى حالات قليلة. صحيح أن الجيش قام بشق بعض الطرق داخل الأراضى التى يضع يده عليها لحل بعض مشكلات المرور وخلق محاور جديدة، كما حدث فى مدينة نصر، لكن البعض يحاول أن يصور ذلك على أنه نوع من «المكْرُمة» التى يقدمها الجيش، لا باعتبار أنه يرد الحق لصاحبه. ومن الغريب أن نجد جهات حكومية تتنازع ملكية بعض أراضى الدولة، والأصل أن المصلحة العامة هى التى تقرر لمن يؤول وضع اليد، على أن يتولى مجلس الوزراء فض تلك المنازعات بناءً على تقارير فنية ترجح أين تكون المصلحة العامة.