في رثاء أم مصرية

وائل لطفى

وائل لطفى

كاتب صحفي

أكتب اليوم عن أمى التى غيّبها الموت كنموذج لملايين الأمهات المصريات اللاتى لم ينلن حقهن من التكريم، وتختصر حياة هذه السيدة المكافحة، فأقول إنها (تعلمت فى عصر عبدالناصر، وتغرّبت فى عهد السادات، وتحجّبت فى عهد مبارك، وأصابها المرض فى ما بقى من حياتها بعد ذلك)، وإذا كان الكاتب الكبير صنع الله إبراهيم قد قدّم بطلته المصرية «ذات» كنموذج لفتاة مصرية استسلمت لما أملى عليها، فقد كانت أمى نموذجاً مختلفاً لفتاة من جيل ثورة يوليو، حيث نالت حقها من الإنصاف والتعليم فى ستينات القرن الماضى، وما زلت أذكر صورتها مع زميلاتها فى معهد المعلمات وهن يرتدين الفساتين القطنية ويحاكين بمظهرهن بطلات الستينات الشهيرات سعاد حسنى ونادية لطفى، بينما تشع من عيونهن نظرة الأمل فى المستقبل.. اختلف هذا المظهر مع سنوات السبعينات حين هاجرت الأسرة للعمل فى دولة خليجية وعادت لترتدى غطاء الرأس، مثل غيرها من المصريات، إننى ما زلت أتذكر أحاديثها مع أبى بعد انقضاء ساعات العمل فى الغربة، وكيف كانت تخلط بين مشاعر المنافسة العادية مع زميلاتها الفلسطينيات، وبين الغيرة على مصر والغضب من مزايدتهن على الموقف المصرى بعد كامب ديفيد.. كانت تفعل هذا وهى بنت عصر عبدالناصر الوفية والمخلصة له.. إننى مدين لهذه الأم المصرية الواعية بأن يدها امتدت لتنتشلنى من هوتين كبيرتين.. كانت أولاهما هى هوة التطرّف الدينى وأنا ما زلت فى الثالثة عشرة من عمرى، حيث توفى والدى وأصبت بصدمة كبيرة تعرّفت خلالها على جماعة التبليغ والدعوة، واقتنعت بأننى يجب أن أفارق منزلنا لأطوف فى المساجد فى ما تسميه الجماعة (خروجاً فى سبيل الله).. لكن هذه الأم الواعية تصدّت لى، وقالت لى إن الإسلام لا يعرف الجماعات، وإن هذه الجماعة لم تكن موجودة على عهد الرسول، وأذكر أنها كانت صارمة فى موقفها بدرجة ردعتنى عن المحاولة مرة أخرى، وفتحت لى باباً لإعادة النظر فى ما قالته وأذكر أنها فعلت ذلك فى النصف الثانى من الثمانينات حين كانت مصر كلها تسير نحو الأسلمة الشكلية والسياسية كالسائر نحو قدره.

أما المرة الثانية التى امتدت فيها يد هذه الأم العظيمة لتنشلنى من طريق ضاع فيه كثير من الشباب المصرى، فكانت فى عامى الجامعى الأول، حين سلكت مجموعة أصدقائى فى «التوفيقية الثانوية» طريق السهر، وتجريب بعض أنواع المكيفات الشائعة بين المصريين، وأذكر أن هذه الأم الواعية كانت يقظة، حتى إنها أدركت التغيير الذى طاف بى منذ المرة الأولى، فانطلقت تردعنى حيناً وتحدّثنى عن أبى الطيب حيناً حتى فارقت شلة أصدقائى هذه، ولم أعد لمثل هذا السلوك أبداً.

وأعتقد أن أمى لم تكن فى سلوكها هذا تستجيب لعاطفة الأم فقط، ولكنها كانت تستجيب لإحساس عميق بالواجب والالتزام الأخلاقى زرعته فى داخلها أسرتها وعملها كمربية أجيال وناظرة لمدرسة.

لقد كان من علامات كفاح هذه الأم المصرية أنها ترمّلت وهى فى الأربعين من عمرها، وفى العام التالى لفقد زوجها وقعت كارثة توظيف الأموال لتفقد مدخراتها الشخصية ومدخرات الأسرة فى كارثة تسبّبت فيها حكومات الرئيس مبارك وتسامحها مع تجار الدين.. لكن هذه الأم المكافحة بدأت من الصفر، معتمدة على راتبها، وما تبقى لها من مدخرات قليلة.. لتُربى أبناءها.. فيكون منهم المحاسبة القانونية والطبيب الكبير والكاتب، والسياسى، وتُنهى حياتها مثل كل المصريين بالحج إلى بيت الله، وبناء بيت كبير كانت تحلم أن يشاركها أبناؤها فى سكناه، لكن ظروف هذا البلد المضطربة منذ عقود شاءت أن يتغرّب أبناؤها طلباً للرزق وبحثاً عن فرص عادلة، وكان هذا لون آخر من التضحية قدّمته هذه السيدة المصرية، التى اضطربت أحوالها فى سنواتها الأخيرة وداهمها المرض القاسى، بينما أبناؤها بعيدون عنها.. عدا ابن واحد.. اجتهد فى أن يعوّض غياب الباقين.. تحية لهذه الأم المصرية التى قدّمت دون أن تأخذ.. وكانت نموذجاً للمرأة المكافحة دون أن تتاجر بحقوق المرأة.. وكانت نموذجاً للتدين المصرى دون أن تتاجر بالدين.. وكانت نموذجاً لحب الوطن دون أن تتاجر بالوطن.. تحية لك يا أمى وللملايين مثلك.. فأنتن ملح الأرض وبكنَّ نحيا، فلروحك السلام والرحمة.