أسامة الأزهرى أسامة الأزهرى هل كان فى زمان النبى صلى الله عليه وسلم قنوات فضائية؟
09:13 ص | الأربعاء 26 سبتمبر 2012

كان الشاعر عند العرب أداة إعلامية فى غاية الحساسية، لأنه المنبر الإعلامى الذى ينشر محاسن القبيلة وآراءها، ويبين وجهة نظرها فى المواقف والأحداث المختلفة الفاصلة، وينافح عن القبيلة فى أوقات الأزمات، وإذا تعرضت القبيلة إلى هجوم، أو تشويه، أو إساءة، أو قصف إعلامى مركز، من أى قبيلة مناظرة لها، فإنها تلجأ فى الحال إلى شاعرها، الذى يفهم المشكلة، ويدرك حجم الهجوم ومدى ثقله، ومدى ذيوعه وانتشاره فى قبائل العرب، وإلى أى مدى يمكن أن يلحق المذمة والعيب بقبيلته، مع الإلمام بتاريخ القبيلة، ومرتكزاتها التاريخية، ونقاط افتخارها، والعيوب الكامنة فى القبيلة المهاجمة، والنقاط الحساسة التى يمكن الضغط عليها، حتى تعتدل الموزاين، ثم يقوم ذلك الشاعر بتدبيج قصيدة عصماء، ترفع شأن قبيلته، وتجعلهم يسيرون بين قبائل العرب ورؤوسهم مرفوعة، هكذا كانت المنزلة الاجتماعية والإعلامية للشاعر عند العرب، فكان الشاعر عند العرب فى وزن قناة فضائية ذائعة الصيت، شديدة الانتشار، ولأجل هذا يقول أبوعلى الحسن بن رشيق القيروانى فى كتاب: (العمدة فى صناعة الشعر ونقده) كانت العرب تحتفل لإحدى ثلاث، فذكر منها: أن ينبغ بينهم شاعر، ونحن قد فهمنا الآن سبب ذلك، حيث إن نبوغ الشاعر بينهم معناه أن يضاف إلى إمكانيات القبيلة منبر إعلامى كبير، يقوم بدور فى غاية الخطورة، يوازى فى أعراف زماننا هذا حجم قناة فضائية كبيرة، ذائعة الصيت، شديدة الانتشار، حتى إن العرب كانت إذا لم ينبغ فيهم شاعر، ووقعت عندهم أزمة، أو حرج إعلامى بين العرب، فإنهم كانوا يلجأون إلى ما يشبه استئجار منبر إعلامى يقوم بذلك الدور، حتى كانت فى العرب قبيلة اسمها قبيلة أنف الناقة، فكانت العرب تعيرهم بهذا الاسم المضحك، حتى شعروا بحرج شديد بين العرب، فلجأوا إلى الحُطَيْئة، الشاعر المشهور، وعرضوا عليه المشكلة، فأنشأ لهم بيتاً واحداً من الشعر، لكنه كان بمثابة حملة إعلامية مركزة، قلب الموازين تماماً، إذ قال: قومٌ همو الأنف والأذناب غيرهمُ *** ومن يُسَوِّ بأنف الناقة الذنبا؟ فصارت كل قبائل العرب تتمنى أن لو كان اسمها أنف الناقة، وقد كان النبى صلى الله عليه وسلم حوله عدد كبير من شعراء الصحابة رضى الله عنهم، حتى ألف فيهم الإمام الحافظ أبوالفتح ابن سيد الناس كتاباً لطيفاً اسمه: (مِنَحُ المِدَح)، رصد فيه مائة وثلاثين واحداً من شعراء الصحابة، الذين تشرفوا بمدحه صلى الله عليه وسلم، ودافعوا عنه، وصدوا الحملات الإعلامية التى كانت تقوم بها الجهات المعادية للإسلام فى ذلك الوقت، وقابلوا التشويه والإساءة بأعمال إعلامية، وقصائد مجلجلة ومدوية، تسير بها الركبان، وتتناقلها العرب، وتساهم فى صناعة أو تصحيح الصورة الذهنية عن الإسلام، أى أن النبى صلى الله عليه وسلم كان محاطاً بمائة وثلاثين منبراً إعلامياً، توازى فى زماننا مائة وثلاثين جريدة ذائعة، أو قناة فضائية منتشرة، أو إذاعة موجهة، أو موقع إلكترونى من المواقع ذات الترتيب العالمى، وبعد كل هذه المقدمات يتضح لنا معنى ما روى مسلم فى صحيحه من حديث عائشة أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اهْجُوا قُرَيْشاً؛ فإنه أشد عليها من رشقٍ بالنَّبْلِ، فأرسل إلى ابن رَوَاحَةَ، فقال: اهْجُهُمْ، فَهَجَاهُمْ، فلم يُرْضِ، فَأَرْسَلَ إلى كَعْبِ بن مَالِكٍ، ثُمَّ أَرْسَلَ إلى حَسَّانَ بن ثَابِتٍ، فلما دخل عليه قال حَسَّانُ قد آنَ لَكُمْ أَنْ تُرْسِلُوا إلى هذا الْأَسَدِ الضَّارِبِ بِذَنَبِه، قالت عَائِشَةُ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول لِحَسَّانَ: إن رُوحَ الْقُدُسِ لا يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ ما نَافَحْتَ عن اللهِ وَرَسُوله، والخلاصة أن وزير الإعلام السابق محمد عبدالقادر حاتم له مؤلفات مهمة جداً حول أهمية الذراع الإعلامية للمسلمين، وأنه مفتقد وغائب إلى أبعد حد، وكتب الدكتور أنس الشيخ على مقالاً مهماً جداً حول الأبعاد الغائبة فى الخطاب الإسلامى للغرب، ونحن اليوم نشهد، وسنظل نشهد، إساءات وتطاولاً على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ولا بد لنا من عمل إعلامى استراتيجى كبير، ومؤثر، وله وجود إعلامى عالمى، يمده ويساعده مرصد إعلامى دقيق، يرصد لنا كل ما يطرح فى الأدبيات والفلسفات الغربية والشرقية عن الإسلام ومقدساته، مع إنشاء أعمال فورية لتصحيح صورة الإسلام فى العالمين، ثم يقوم بالتوازى بأعمال إعلامية، وأفلام وثائقية أو تعريفية، تبادر بالتعريف بمحاسن الإسلام حتى وإن لم يوجد هجوم، حتى لا نظل أبداً دائرين فى دائرة ردود الأفعال، بل ننتقل إلى العمل الإيجابى، الشارح لعلوم الإسلام ومعارفه وقيمه وآدابه وحضارته، ولترجع الأمة إلى جزء ولو يسير من دورها الضائع، والذى هو وراثة النبيين فى البلاغ عن الله، وتوصيل أنوار هدايته إلى سائر الحضارات والثقافات والشعوب.

تعليقات الفيس بوك

عاجل