أفريقيا ورئاسة منظمة التجارة العالمية (٢)
(إنها المرأة الرائعة والناعمة واللطيفة للغاية التى تملك حلولاً حقيقية للمشاكل، ولكنها تملك يداً قوية وإرادة أقوى تحت هذا القفاز الناعم.. إنها ستهز المكان). بتلك الكلمات الحماسية والروح التشجيعية عبّرت كريستين لاغارد، رئيسة البنك المركزى الأوروبى، عن شعورها الإيجابى من تولى أول امرأة وأول أفريقية قيادة منظمة التجارة العالمية للمرة الأولى على مدار عمر المنظمة البالغ 25 عاماً.
ولعلى رأيت أن تلك الكلمات الواردة على لسان «كريستين» قد تكون بداية جيدة لاستكمال سطورى معكم اليوم عن «نيجوزى أوكانجو»، أو المرأة النيجيرية المميزة للغاية التى حدثتكم عنها فى المقال السابق بمناسبة أنها أصبحت أول سمراء تتولى هذا المنصب القيادى الدولى المهم فى إدارة منظمة التجارة العالمية.
وبالرجوع إلى الوراء قليلاً سنجد أن «أوكانجو»كانت قد استطاعت أن تقنع المتشككين أمثال الرئيس الأمريكى السابق «جورج دبليو بوش» بأن عائدات نيجيريا النفطية البالغة 25 مليار دولارلم تصل إلا إلى 50 سنتاً يومياً لكل نيجيرى، وذلك رغم ارتفاع أسعار النفط الخام حينها، وعملت على خفض وتخفيف ديون نيجيريا الخارجية كخطوة مهمة لوضع بلادها على المسار الصحيح.
وفى أثناء حملتها للحصول على هذا المنصب، ذهبت «أوكانجو» إلى وصف نفسها بأنها الوسيط القوى فى مسألة التمويل العالمى، مشيرة إلى اتفاقية 2005م التى ساعدت نيجيريا على تأمين شطب 18 مليار دولار من ديونها لنادى باريس (وهى المجموعة التى تضم فى عضويتها غالبية الدول الغربية الدائنة)، مما جعل «ديفيد دى فيرانتى»، الذى كان يعمل معها فى البنك الدولى، يقول عنها الآتى:
(كانت الطريقة التى توصلت بها «أوكانجو» إلى صفقة الديون مذهلة.. فقلة قليلة من الناس يمكن أن تفعل ذلك).
كما وصفتها «جوليا جيلارد»، رئيسة الوزراء الأسترالية السابقة، قائلة:
(إنها ستقدم نوعاً مختلفاً من المنظور العالمى إلى منظمة التجارة العالمية عن أى شخص قبلها.. فأوكانجو تملك رؤية عالمية للتحديات والمشكلات، كما أن لديها نظرة ثاقبة بشأن الحلول).
وقد عرفت عن «أوكانجو» أنها حتى وقت قريب كانت تعمل كرئيسة لـ«مجلس إدارة التحالف العالمى للقاحات والتحصين»، وفى ظنى - وأعتقد أنكم ستتفقون معى - أن خوضها لهذه التجربة يمكن أن يساعد منظمة التجارة العالمية فى البحث بصورة أكثر واقعية وعملية عن الآثار الصحية والاقتصادية لوباء كورونا، الذى عانى ولا يزال يعانى العالم كله من تأثيراته السلبية.
وقبل إن أختم سطورى سأروى لكم سريعاً عن تعرُّض «أوكانجو» للتهديد بالقتل من أصحاب المصالح ومن المستفيدين من الفساد فى مجال الطاقة بالدولة العميقة فى نيجيريا.
إضافة إلى أنه قد تم اختطاف والدتها السيدة البالغة من العمر 83 سنة فى عام 2012م، على يد مجموعة من المجرمين المحبطين من جهودها فى مكافحة الفساد بصناعة النفط القائم عليها الاقتصاد النيجيرى، وقد تعهدوا بإرجاع الأم ولكن فى مقابل تقديم «أوكانجو» استقالتها من منصب وزير المالية (الذى تولته لفترتين).
الأمر الذى يصور لنا كمّ الضغوط والقضايا الشائكة سياسياً، والثقيلة اقتصادياً، والخطيرة كما رأينا على المستوى الشخصى.