واشنطن وتضييق الخناق على الإخوان (2)

فى الجزء الأول من هذا المقال قلنا إن الجهود الأمريكية لتصنيف الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية لم تنقطع أبداً فى ظل إدارة دونالد ترامب، لكنها كانت دائماً ما تصطدم بعراقيل تحبطها إما فى مهدها أو فى لحظاتها الأخيرة، وذكرنا أن التحول الكبير فى مساعى الإدارة الأمريكية فى هذا الصدد جاء مع تولى مايك بومبيو وزارة الخارجية خلفاً لريكس تيلرسون، الذى كان موقفه من الإخوان أقرب لمواقف هيلارى كلينتون، فيما كانت مواقف تيلرسون من الجماعة الإرهابية أقرب لرؤية ترامب، ففى يوليو 2018، وبعد أقل من ثلاثة أشهر من توليه منصبه، بدا أن مساعى بومبيو قد تسفر عن جديد فى هذا الملف الشائك، وذلك عندما أعادت لجنة الأمن القومى بمجلس النواب فتح ملف جماعة الإخوان المسلمين، وبحثت من خلال جلسة استماع إمكانية وضع الجماعة على لائحة الإرهاب الأمريكية، اللافت للنظر فى مناقشات تلك الجلسة أنها اعتبرت أن تنظيم الإخوان يشكل تهديداً مباشراً للأمن القومى الأمريكى، وليس فقط تهديداً لأمن حلفاء الولايات المتحدة، واعترف رئيس لجنة الأمن القومى بمجلس النواب أثناء المناقشات بفشل بلاده وسياستها فى مواجهة ما تمثله الجماعة من سلوك راديكالى ودعمها للمجموعات المتطرفة فى عدة دول فى الشرق الأوسط، وعلى رأسها مصر والإمارات والسعودية، كما شدد أعضاء اللجنة وقتها على ضرورة وضع جميع تنظيمات الإخوان على قوائم الإرهاب، وطالبوا الإدارة الأمريكية بعدم عرقلة مساعى المشرعين الأمريكيين لوضع الجماعة على لوائح الإرهاب الأمريكية، وكان لافتا أيضاً فى نقاشات اللجنة أن بعضاً من أعضائها أشار إلى أن دولاً مثل المغرب والأردن وتونس تدعم الولايات المتحدة فى حربها ضد الإرهاب وضد تنظيم داعش، وذلك فى محاولة ذكية لدحض مزاعم المعارضين لإدراج الإخوان على لوائح الإرهاب بحجة وجودهم كمكون فى التركيبة السياسية لبعض دول الشرق الأوسط ذات العلاقة الوثيقة مع واشنطن، وبالإضافة إلى أعضاء اللجنة شهدت الجلسة الاستماع إلى آراء مجموعة كبيرة من الخبراء والباحثين، الذين يمثلون أبرز مراكز التفكير الأمريكية، مثل معهد هادسون، ومؤسسة الدفاع عن الديمقراطية، والمنتدى الإسلامى الأمريكى للديمقراطية، لكن التفاؤل الذى أحاط بهذه الخطوة رغم ما بدا من جديتها واختلافها سرعان ما تحول إلى إحباط معتاد يلاحق هذه الخطوة فى كل مرة يتم طرحها، فلم يكن تحرك لجنة الأمن القومى بمجلس النواب آنذاك هو الأول للكونجرس على هذا المسار، فقد سبقته محاولات عدة باءت كلها بالفشل كان آخرها فى 2016، ولم يكن كذلك الأخير، فقبل أشهر قليلة وتحديداً فى مطلع ديسمبر الماضى أعلن السيناتور الجمهورى تيد كروز، عضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، عن تقديم مشروع قانون لتصنيف الإخوان المسلمين كـ«منظمة إرهابية أجنبية» لأنها تسعى إلى بث الفوضى فى جميع أنحاء الشرق الأوسط «ودأبت منذ تأسيسها هى والجماعات التابعة لها على الدعاية والتحريض على الكراهية ضد المسيحيين واليهود وغيرهم من المسلمين بينما كانت تدعم الإرهابيين الراديكاليين». فى النهاية يمكن القول إن الدلالة الإيجابية لخطوة وزارة الخزانة الأمريكية، ومن قبلها تحرك الكونجرس، تتمثل فى أن النقاش داخل أروقة صنع السياسة الأمريكية حول وضع جماعة الإخوان المسلمين وتصنيفها كمنظمة إرهابية سيظل مستمراً، فالقرار ليس يسيراً، ولا يخضع لاعتبارات الأمن القومى وحدها، وإنما تتجاذبه جملة معقدة ومتشابكة من الاعتبارات ويحتاج لشجاعة كبيرة، أتمنى أن تتوافر لدى إدارة بايدن إن أرادت لهذه المنطقة استقراراً، وإن أرادت لشعوبها أن تعيش فى أمن وسلام بعيداً عن مؤامرات تجار الدين.