«لبنان» الخديعة والخداع

جيهان فوزى

جيهان فوزى

كاتب صحفي

بالكاد تفهم كلماتها وهى تتمتم محاولة حبس دموعها، تصف الحالة التى وصل إليها اللبنانيون، الفقر والعجز الذى أصاب لبنان فى مقتل، فلم يعد أحد قادراً على توفير كسرة الخبز، بعد أن تحول لبنان إلى سجن كبير، تسكنه الأشباح والخيبات، فيما غادرت حياتهم الطمأنينة، وأصبح قاب قوسين أو أدنى من الانهيار، فى ظل أسوأ أزمة اقتصادية تمر بها البلاد، «أنجيلا» سيدة لبنانية تمثل حال شعبها، تتحدث وهى تغالب دموعها بصعوبة عن الأوضاع المأساوية التى يعيشها الناس.. «أبحث عن علبة حليب لابنى الرضيع فلا أجدها»، تستغيث بعشرات الصيدليات أينما وجدتها وهى تتوسلهم، علّها تجد ما يسد رمق طفلها الذى يصارع الموت، لكن عبثاً أن تجد ما يُثلج صدرها ويطمئن قلبها للحفاظ على حياة رضيعها، أنجيلا بين كثيرين يكافحون لسد الرمق، أصبح توفير الحد الأدنى من المواد الأساسية فى لبنان ضرباً من المستحيل، أن تذهب للتسوق فى السوبرماركت رفاهية طواها النسيان، ارتفعت أسعار المواد الغذائية أربعة أضعاف ثمنها إن وجدت أصلاً؟! وأصبح أكثر من نصف السكان فى عداد الفقر، الإحساس بالأمان بات أمنية بعيدة المنال، بعد أن هزّ انفجار مرفأ بيروت وتبعاته استقرار الناس، وتوحّش انتشار فيروس كورونا، تخشى أنجيلا ألا تكون على قيد الحياة لتربية ابنها.. أن تموت كغيرها فى انفجار هنا أو هناك؟! لكنها مستعدة لفعل أى شىء من أجل طفلها، حتى لو كان الثمن حياتها كى يحيا هو!

أيام صعبة للغاية يعيشها لبنان، يئن فيها الشعب تحت وطأة أزمة اقتصادية هى الأسوأ فى تاريخه، حيث تتزامن مع انسداد سياسى تسبّب فى عدم تشكيل حكومة مستقرة حتى اليوم، مما يعرقل الكثير من الخدمات المقدّمة للمواطنين ويدفع بالبلاد إلى شفير الانهيار التام، وأسوأ انعكاسات الأزمة هو الانهيار المستمر لليرة اللبنانية مقابل الدولار، حتى وصل سعر الدولار فى السوق السوداء إلى نحو 15 ألف ليرة وخسارة العملة الوطنية أكثر من 85% من قيمتها، مما تسبب فى وقوع الكثير من الاشتباكات بين المواطنين والعاملين فى المتاجر والأسواق خصوصاً بسبب التدافع لشراء السلع المدعومة من الدولة والخلاف على أسعار السلع التى تضاعفت بشكل جنونى مع انهيار القدرة الشرائية للمواطنين.

هذه الأزمة تشكل أخطر تهديد على استقرار لبنان منذ الحرب الأهلية ما بين 1975 - 1990، ويبدو أن القيادة السياسية ما زالت تعيش فى جلبابها؟! ولا تدرك حجم المأساة التى تتفاقم يوماً بعد يوم. القادة السياسيون فى لبنان لا يريدون تنحية سياسة حافة الهاوية الحزبية جانباً، وتشكيل حكومة تنفذ بسرعة حزمة إصلاحات مهمة وطويلة الأمد، تستعيد بها ثقة المستثمرين وتنقذ اقتصاد البلاد، ولكن للأسف فما يحدث شىء آخر؟! فقد أدت الخلافات بين الرئيس ميشال عون حليف حزب الله، ورئيس الوزراء المكلف سعد الحريرى المعارض للحزب، إلى تأخر تشكيل الحكومة حتى الآن، وكأن لدى لبنان واللبنانيين ترف الوقت وحرية الاختيار، والمشهد الحالى يعتصر كرامتهم ويثقل كهولهم بالأزمات النفسية واللوجيستية، لكن المحير هو صمت رجال الأعمال اللبنانيين الذين يمتلكون المليارات حول العالم عن مساعدة بلدهم الذى يئن من الفساد والكساد والجوع؟! لماذا يؤثرون الصمت واختيار دور المتفرج دون أن يشعروا بالألم نحو أبناء جلدتهم الذين يصارعون من أجل البقاء؟!