خطاب مفتوح إلى أصحاب الجلالة والفخامة والسمو قادة الأمة العربية

إن آمال الأمة العربية تدفعكم، بكل الإخلاص، نحو البحث عن استراتيجية شراكة حقيقية تحقق لكم المحافظة على الأمن العربى بكل مجالاته السياسية والاقتصادية والجغرافية، ولكى تكون مرجعية واحدة يتم من خلالها التعامل مع الدول الصديقة من منطلق المصالح المشتركة، فبلا طغيان لطرف على طرف ولا استغلال طرف لآخر يتحقق التوازن فى التعامل، وخاصة العلاقات التجارية التى أصبح فيها الميزان التجارى دائماً يصب فى مصالح الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية دون أن يقابله وحدة موقف من أجل تحقيق توازن عادل فى الميزان التجارى بين الدول العربية والدول الصديقة. ولذا فإنه من واقع الأمانة والمسئولية القومية وأنتم فى موقع القيادة حاملين على كاهلكم أحلام وآمال أمة كان لها السبق فى قيادة الإنسانية على مدى قرون وكانت تحمل مشاعل الإيمان والعلم والتقدم للعالم، واليوم ما يحدث لهذه الأمة من ظلم مستمر حين استبيحت أراضيها ودمرت مساجدها وصوامعها واستمر الظالمون فى نهب ثرواتها فزرعوا جسماً غريباً يفيض كراهية وإجراماً وظلماً على أرض فلسطين، حيث شرّد شعبها واستباح مقدساتها، وأبناؤها فى شقاق وقيادات أمتنا العربية فى صراح وخلاف ليس له ما يبرره، فاغتنم الطامعون فرصتهم. وما مشاريع السلام والمفاوضات، سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة، إلا استغفال لعقولنا من أجل الاستمرار فى بناء المستوطنات الإسرائيلية على الأراضى الفلسطينية، فإننى أخاطب فيكم إرادتكم لدرء الخطوب، وأناشد وعيكم لإصلاح العيوب ورأب الصدع فى العلاقات العربية، وكأنى أشعر بأن الأمة العربية تخاطب قادتها ولسان حالها كما قال الشاعر: فلا تكلونى للزمان فإننى أخاف عليكم أن تحين وفاتى إن الجرائم التى ترتكبها إسرائيل فى حق أبناء فلسطين فى غزة عربدة مجرم فقد الضمير وتخلت عنه الإنسانية عندما قرر أن يبيد مجتمعاً بأكمله، سلب أرضه، واستباح أهله، وطرد شعبه، والمجتمع الدولى الذى تسيطر عليه إسرائيل وتوجهه لخدمة مصالحها ومصالح الولايات المتحدة الأمريكية يقف مع إسرائيل فى خندق واحد يساعدها فى إجرامها، يذود عن مصالحها ويدافع عن جرائمها. أما الدول العربية فهى تنتظر الرحمة فلا حول لها ولا قوة، خلقوا لها الربيع العربى فتناثرت أشلاؤها وتمزقت أجزاء يصارع بعضها البعض، واختفت مصطلحات الأمة العربية فحل محلها «داعش»، وتحولت الوحدة العربية فأصبحت «جبهة النصرة»، وتساقطت قضية الأمن القومى العربى كأوراق الخريف تدوسها الأقدام وتفترسها «القاعدة والإخوان». ولم يبقَ للمواطن العربى إلا الدموع والحسرة على ما آلت إليه الأمة العربية وجامعتها التى أعطت الضوء الأخضر لغزو العراق وسوريا وليبيا باشتراك العرب أنفسهم مع حلف الناتو وأمريكا. فإلى أين انتم ذاهبون يا عرب؟! ألا تعلمون أن من قتل إخوانكم سيأتيكم بعد حين، ومن دمر أوطان أشقائكم لن يتورع عن أن يتخذ معكم نفس الموقف، فالسلام على أمة العرب يوم وُلدت ويوم تموت ويوم تُبعث حية بعد حين. إن السلام الذى تريده إسرائيل ما هو إلا وسيلة تضليل واحتيال من أجل كسب الوقت لاستمرار بناء المستوطنات فى الضفة الغربية، وإن مفاوضات السلام لم تكن وليدة الساعة، ولكن منذ عشرين عاماً وإسرائيل تفاوض وتبنى، آلاف المستوطنين اغتصبوا آلاف الهكتارات من الأراضى المحتلة وما زالت إسرائيل تتحدث عن مفاوضات السلام، ولكى يتحقق السلام لإسرائيل يجب على إسرائيل الالتزام بتنفيذ قرارى مجلس الأمن رقمى 242 و138، وكل القرارات التى صدرت من أجل انسحاب إسرائيل من الأراضى المحتلة كى يستطيع الفلسطينيون بناء دولتهم على الأرض المحررة. إن ما يجرى على الواقع وقبول المجتمع الدولى، بما فيه للأسف الشديد الدول العربية، باستمرار الاحتلال الإسرائيلى للأراضى الفلسطينية والقبول بالأمر الواقع وعدم قيام الدول العربية باتخاذ موقف موحد، وهو إلزام مجلس الأمن بتنفيذ قراراته والمطالبة باحترام تعهداته؛ هذا التهاون يصب فى مصلحة إسرائيل، متخذة أساليب شتى فى المماطلة والتضليل، مستفيدة من عدم اكتراث المجتمع الدولى لما تقوم به من استمرار فى استيطان الأرض الفلسطينية وإقامة المستوطنات على الأرض، والذى طبقاً لقرار مجلس الأمن رقم 242 يحتم بانسحابها منها، فإنها ترتكب جريمة أخرى تضاف إلى الاحتلال وهى سرقة الأرض، متحدية المجتمع الدولى، واثقة من قبول الموقف العربى بما تقوم بتنفيذه على الأرض الفلسطينية من بناء المستعمرات، حيث مضت ثلاثة وأربعون عاماً دون أن يوقفها أحد أو يمنعها من اسـتمرار بناء المستعمرات. بعد سنوات قليلة لن يبقى للفلسطينيين أرض يقيمون عليها دولتهم، ومما يشيب له العقل ويحار فيه الفكر أن يطلب الفلسطينيون والعرب من الولايات المتحدة الأمريكية أن تكون وسيطاً بينهم وبين إسرائيل وكأنهم لا يعرفون أن كل الإدارات الأمريكية منذ عهد ترومان حتى عهد أوباما تداخلت مصالحها مع مصالح إسرائيل، حتى أصبح المرء لا يستطيع أن يميز بين مصالحهم الاستراتيجية المتداخلة. ولكى يتحقق السلام الحقيقى لا بد لقيادات الأمة العربية أن تضع فى اعتبارها ما يلى: أولاً: أنه من واقع الأحداث التاريخية والوقائع الحالية على الأرض وفى الاستراتيجية الإسرائيلية وأهدافها يجرى سلب الأرض الفلسطينية بالكامل مع التقادم الزمنى وتحويل الرأى العام العربى والدولى لكى تتمحور القضية فى البحث عن طريق للسلام، بينما الحقيقة تصرخ بكل الممارسات الإسرائيلية بأن دولة إسرائيل دولة محتلة وأن عليها الانسحاب من الأراضى الفلسطينية، حسب قرار مجلس الأمن 242 من الأراضى التى احتلتها سنة 1967، وعليه يجب أن يكون الموقف الفلسطينى والعربى التمسك بهذا القرار والمطالبة بتنفيذه أولاً حتى يتحقق الانسحاب وقيام دولة فلسطين بكامل السيادة. ثانياً: أنه من العبث استمرار الفلسطينيين والعرب فى دوامة لا تتوقف منذ سنة 1967، لسبعة وأربعين عاماً تدور الأمة العربية فى حلقة مفرغة، تتعاقب الأيام والسنون، وكل مرة يأتى الإسرائيليون باقتراح جديد يبعدنا عن مسار القضية الحقيقى إلى درجة استطاعوا معها أن يقسموا العالم العربى إلى فريقين، المعتدلين والرافضين، والفريقان لديهما وجهات نظر متناقضة بالرغم من أنهم جميعاً متفقون على ضرورة تنفيذ قرارات مجلس الأمن بشأن الأراضى العربية، فلماذا لا يتم اتخاذ موقف موحد بأن يعقد وزراء الخارجية العرب اجتماعاً استثنائياً يقررون فيه قيام الأمانة العامة للجامعة العربية بطلب للأمم المتحدة ومجلس الأمن بعقد جلسة خاصة من أجل النظر فى تحلل إسرائيل من التزاماتها الدولية وعدم احترامها لقرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة بإلزام إسرائيل بتطبيقها، والانصياع بتنفيذ كافة القرارات المتعلقة بالحقوق الفلسطينية والعربية وعلى الأخص قرار مجلس الأمن رقم 242 القاضى بانسحاب إسرائيل من الأراضى المحتلة فى غضون ستة شهور، وأن أى تهاون من مجلس الأمن والأمم المتحدة بشأن هذا الموقف سيؤدى إلى أن تقوم الدول العربية باتخاذ استراتيجية جديدة للتعامل مع ذلك الموقف. ثالثاً: أن ادعاء إسرائيل بالبحث عن الأمن أولاً لهو ادعاء كاذب، حيث إن ما بينها وبين الولايات المتحدة من اتفاقيات استراتيجية عسكرية واقتصادية وتأكيدات كل الرؤساء الأمريكيين المتعاقبين على دور الولايات المتحدة فى حماية أمنها والقضاء على من يهددها، تلك الأعذار بأن أمنها مهدد ما هى إلا محاولات لتحويل الأنظار والهروب إلى الأمام حتى تتحلل من الالتزامات الدولية، كما أن الرئيس أوباما فى خطابه فى جامعة القاهرة قد أكد أن الولايات المتحدة الأمريكية ملتزمة بأمن إسرائيل، فهل يوجد أبلغ من هذا الإقرار؟ وهل يمكن أن نصدق أن الولايات المتحدة الأمريكية وسيط نزيه، وهى فى الوقت نفسه شريكة فى حماية أمن إسرائيل والمسئولة عن تطويرها العسكرى والاقتصادى على حساب دافعى الضرائب من المواطنين الأمريكيين؟! رابعاً: إذا استمرت القضية تسير فى مسار لم يتغير عن مسارها السابق، حيث غرقت فى كم هائل من التحايل والالتفاف على قرارات المجتمع الدولى بأساليب لا أخلاقيـة واستغفلت عقول القيادات الدولية، واستغلت عدم وجود استراتيجية عربية محددة الأهداف واضحة المعالم صادقة القصد مؤمنة بحق الشعب الفلسطينى فى الحياة والوجود واستعادة أرضه، عندها ستبقى إسرائيل اللاعب الوحيد فى الميدان الإقليمى والعالمى، تتلاعب بالألفاظ وتبديل المواقف والاستغلال البشع للتناقضات العربية التى ليس لها مبرر على الإطلاق لتحقيق مآربها، فما نحتاجـه اليوم صرخة فلسطينية مدوية (واعروبتاه) تهز العقل العربى وتوقظه من سباته ليصحو بعد غفوة طالت، وآمال استحالت لتتحقق على الواقع، وليعيد تصحيح البوصلة، ويحدد مساره نحو قرارات دولية صدرت لصالحه، يطالب المجتمع الدولى بتنفيذ قراراته وتطبيق أحكامه والوفاء بالتزاماته بكل عزيمة وتصميم. لذا يتطلب الموقف وقفة شجاعة مع النفس لمواجهة الواقع ولرفع الظلم عن الحقوق العربية. ومن أجل ذلك يتطلب الأمر دعوة الجامعة العربية (بالتنسيق مع منظمة المؤتمر الإسلامى) لعقد مؤتمر قمة مشترك من أجل مناقشة بند واحد فى أجندة المؤتمر وهو: «أن تعلن الدول العربية ودول منظمة المؤتمر الإسلامى الامتناع عن تنفيذ أى قرار يصدر من مجلس الأمن ضد أى دولة، ما لم يتم إلزام إسرائيل بتطبيق كافة قرارات مجلس الأمن الصادرة بشأن الانسحاب من الأراضى المحتلة والخاصة بحقوق اللاجئين، وعلى الأخص القرار رقم 242». وبهذا الإعلان يضع العالم العربى والإسلامى الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية أمام مسئولياتها الأخلاقية والدولية من أجل الحفاظ على مصداقية الأمم المتحدة ومجلس الأمن من خلال تبنى معيار واحد فى تنفيذ قرارات مجلس الأمن دون استثناء أية دولة والابتعاد عن اتباع سياسة الكيل بمكيالين التى تنتهجها أمريكا ومن خلفها مجلس الأمن، حتى تسود العدالة أرجاء العالم وتعيش الشعوب فى سلام، فلطالما التزم الموقف السياسى العربى والإسلامى بتنفيذ قرارات مجلس الأمن المجتمعة ضد أشقائه، وآن الأوان لنرفع الهامات ونخلع لباس الذل والهوان لنوقف الظلم الذى استمر على أمتنا العربية أكثر من ستين عاماً ونرفض إلى الأبد ازدواج المعايير فى تنفيذ قـرارات مجلس الأمن الذى، كما يبدو، أصبح آلة لتنفيذ استراتيجية العدوان والظلم لصالح إسرائيل بدعم من الولايات المتحدة والمجتمع الدولى. اللهم إنى قد بلغت.. اللهم فأشهد