القدس عروس عروبتكم

جيهان فوزى

جيهان فوزى

كاتب صحفي

عادت انتفاضة الأقصى الحالية، لتؤكد أن القدس جزء أصيل من الحل العادل والشامل للقضية الفلسطينية، وأن أهلها ما زالوا على العهد سائرين، وأن عبق التاريخ المتأصل فى أقصاها ومقدساتها لن يغادرها عبيره، فهو باقٍ ما بقى على أرض القدس رضيع يتنفس هواءها ويستنشق رائحة ترابها.

القدس بأهلها أثبتت أنها عصية على الانكسار، مهما سعت مخططات الاحتلال الإسرائيلى لأسرلتها وتهويدها، وأثبت أهلها أنهم جديرون بها، وأن تضحياتهم فى سبيل حريتها لا تساوى ذرة تراب من أرضها المقدسة، ولم يكن سقوط أكثر من مائة جريح فى تلك الهبة سوى غيض من فيض التضحيات التى يقدمها أبناء القدس لبلدتهم دون مزايدة، أو حسابات سياسية، هبَّ أهل القدس لحماية أقصاهم من محتل غاشم أراد أن يحرمهم من إقامة شعائرهم الدينية بالقوة الجبرية، ويمنعهم من الدخول بإقامة الحواجز الحديدية والإلكترونية، لكنه فشل أمام إصرار المقدسيين وصمودهم وبسالتهم فى المواجهة والتحدى، وتكاتف الفلسطينيين فى الأراضى المحتلة بإجماعهم الوطنى عندما يتعلق الأمر بمدينة القدس ومقدساتها، وهو تجسيد لواقع حقيقى بأن السيادة الفلسطينية حاضرة بشجاعة أبنائها ومقاومتهم. فالقدس هى نواة السيادة والبيت الجامع للفلسطينيين، وأيقونة التاريخ الحضارى والتراث الفلسطينى.

لقد أعادت المواجهات المستمرة منذ نحو أسبوع بين الفلسطينيين فى القدس والمستوطنين وجيش الاحتلال إلى الأذهان انتفاضة الأقصى الثانية عام 2000، حينما قرر رئيس الوزراء الإسرائيلى أن يدنس المسجد الأقصى بزيارته المستفزة لمشاعر المسلمين، فتصدى له فرسانها، ومنذ ذلك الحين ومسألة وضع القدس والمقدسات والطابع الديموغرافى لسكانها هى الشغل الشاغل للاحتلال، يحاول بكل السبل تهويدها وطمس هويتها الفلسطينية العربية، ورغم إعلانها عاصمة أبدية لإسرائيل من قِبل إدارة الرئيس الأمريكى السابق دونالد ترامب، ونقل سفارة بلاده من تل أبيب إليها، فإن ذلك لم يغير شيئاً من حقيقة أنها مدينة فلسطينية محتلة، وأن كل المخططات الصهيونية الساعية لانصهارها فى الخريطة الجيوسياسية الإسرائيلية المحتلة باءت بالفشل، بفضل صمود المقدسيين ووعيهم بمخططات الاحتلال الإسرائيلى الذى يضيق الخناق على حياتهم المعيشية بكل السبل، بمشاركة قطعان المستوطنين الذين يعتدون على المسجد الأقصى ويستفزون المرابطين على الأرض المقدسة ليل نهار، بغية تهجيرهم ونزوحهم إلى غير رجعة.

لم تفلح القبة الحديدية ولا طائرات «الشبح إف 35»، ولا قنابلهم الحارقة، ولا رصاصهم الغادر، فى النيل من إرادة أهل القدس العنيدة، وتصميمهم على المواجهة والتحدى حتى آخر رمق فى حياتهم، لحماية مدينتهم ومقدساتها من دنس جيش الاحتلال والمستوطنين، وفى محاولة اعتداء جنود الاحتلال والمستوطنين الأخيرة، لم يكن غريباً على أبناء القدس أن يتصدوا للاعتداء بصدورهم العارية، فهم على مر التاريخ حماة المدينة ومقدساتها، قدموا آلاف الشهداء، وسطروا أروع البطولات وذادوا عنها بالسواعد والأرواح، المؤامرات التى تحاك ضدها، رغم أن المواجهة بينهم وهم العزل، وبين جنود الاحتلال المدججين بالقوة والسلاح غير متكافئة، فما يمتلكه المواطن الفلسطينى من طاقة هائلة وإصرار وإيمان على المواجهة والتضحية تعطينا الأمل بأن كل مشاريع التهويد وابتلاع الأرض والضم مجرد وهم فى خيال الاحتلال، وسوف تفشل كل مشاريع التصفية للقضية الفلسطينية، مادام هناك جسد فلسطينى يقاوم ويؤمن بأن الأرض هى العرض والعزة والكرامة.