حياتنا وأعمالنا وآثارنا.. أهى مصالح باقية أم مصالح فانية؟

عادل السيوى

عادل السيوى

كاتب صحفي

المصلحة: هى المصطلح العام والشامل الذى يدور الناس فى فلكه ويعملون من أجلها بما يعود عليهم بالمنافع على تنوعها واختلافها. والناس على اختلاف أهوائهم تتنوع مصالحهم ومنافعهم فى الدنيا. فهل هناك مصلحة كبرى يتفق الخلق حولها ويبغونها لا تختلف باختلاف الطبائع والأهواء؟ نعم.. إنها المصلحة الأسمى التى تنمحى أمامها كل المصالح والأعمال غير الموصلة إليها.. هى غاية الغايات.. إنها رضا الرحمن فى الدنيا والآخرة، لا يُؤتاها إلا من أنار الله بصيرته فعلم ما يعمله بما يحقق مصالحه ومنافعه ويصلح حاله فى الدنيا والآخرة. وليسأل كل منا نفسه: أين هو من هذه المصلحة؟ أيعمل لها ويسعى من أجلها؟ أيستحضر لها النية؟ أيتذكرها فى كل حركاته وسكناته؟ أيستشعرها فى كل عمل يقوم به؟ أيتوخاها فى معاملة خلق الله؟ أيستحضرها فى كل ما يُبتلى به فيرضى بما قدر الله؟ ماذا نفعل لنستحضر هذه المصلحة فى كل نَفَس فتحيا فينا ونحيا بها فتنصلح دنيانا ونفوز بآخرتنا؟.. لن نستحضرها إلا إذا تذكرنا.. تسارع الأيام ومضى الحياة فى طرفة عين فينتهى الأسبوع ليبدأ آخر سلسلة من الأيام وتلاحق الساعات تترجم أعمارنا وحياتنا، ونعلم علم اليقين أنها من عمرنا وأنها حتماً لن تعود!

والموت هو الحقيقة التى لا يختلف عليها أحد فى الحياة فهو نصب أعيننا فى كل وقت وحين وليس عنا ببعيد فها هو يأخذ منا كل يوم حبيباً ولكن نغمض أعيننا أمامه.. ونصم آذاننا عن سماع لفظه.. نريد الخلود والبقاء فى الدنيا لذلك نكره سماع كلمة (الموت).. وكل إنسان يبتغى الخلود ويعمل له قد يخلده الناس والتاريخ، ولكن أيفكر الإنسان فى الأثر الذى سيتركه وراءه ليَخلُد به ذكره هل هو عمل صالح لإعمار الأرض؟ أم تأسيس لفساد وإفساد؟ يا ليتنا نتذكر دوماً قول الحق تبارك وتعالى {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِى الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ} وقول الرسول صلى الله عليه وسلم «سبع يجرى للعبد أجرهن وهو فى قبره بعد موته: من عَلّم علماً، أو أجرى نهراً، أو حفر بئراً، أو غرس نخلاً، أو بنى مسجداً، أو ورّث مصحفاً، أو ترك ولداً يستغفر له بعد موته»؛ فما هى آثارنا بعد رحيلنا؟ وماذا تركنا لمن بعدنا؟ وما الذى قدمناه فى هذه الحياة من خير؟

كم جاهلاً علّمنا..؟

كم تائهاً أرشدنا..؟

كم ضالاً هدينا..؟

كم فقيراً كفينا..؟

كم محتاجاً أعطينا..؟

كم كلمةً طيبة غرسنا..؟

كم حديثاً عن النبى ﷺ بلّغنا..؟

كم مرة بين متخاصمين أصلحنا..؟

كم من أعمال خير ساهمنا..؟

فإن أجبنا وقلنا: قليل.. قليل، فحسبى وحسبك قول الشاعر:

فكن فى الطريق عفيف الخُطا.. شريف السماع كريم النظر

وكن رجـلاً إن أتوا بعده.. يقولون مرّ وهذا الأثر

أحبتى فى الله.. من لا أثر له لا حياة له، وإن شئت قُل «لا وجود له»، فإن أدركنا ذلك وعلمنا حقيقة آثارنا وقلة بذلنا، فلنلزم التضرع لربنا بدعاء الأنبياء من قبلنا: {وَاجْعَل لِّى لِسَانَ صِدْقٍ فِى الآخِرِينَ} أى: واجعل لى ذكراً جميلاً بعدى أُذكَر به، ويُقتدَى بى فى الخير.

فإن كنت ترغب أن تترك لك أثراً فكن صاحب نية صالحة، وقلب سليم، وهدف عظيم، وبذل كبير، وعزم أكيد، وهمة عالية، وأعمال دءوبة متتابعة، واجعل لك أثراً مناسباً لقدراتك ومهاراتك تعمل عليه تكفى فيه أمتك شراً، وتمنحها بذلك الأثر خيراً، وعندما تُذكر يقولون: «مرّ وذاك أثره».