حنكة الصراخ
من الأفضل دائماً تجنُّب الصراخ. فالغضب الزاعق أضعف أنواع الغضب وأقله تأثيراً وأكثره ضرراً لصاحبه. يلفت الانتباه للغضبان، ويمده بشعور كاذب بأن صراخه حين يملأ الدنيا فإنه يضمن تعاطف المحيطين وتأييد القاصى والدانى، بينما العكس صحيح.
فحتى فى الثقافات التى تعتمد الصوت العالى منهجاً مقبولاً والصراخ والصوت العالى ضمن الوسائل المشروعة للتعبير والكلام، فإن المداومين على الصراخ عادة يحظون بجذب انتباه وقتى ينتهى مع انتهاء الصراخ.
نظرة سريعة إلى خناقات الشارع التى تنشب لأتفه وأضخم الأسباب على حد سواء تخبرنا أن العركة التى تنشب بصوت يصل إلى سكان الدور الـ15 وتهديد ووعيد بخلع الأحزمة والبحث عن الطوب إلى آخر القائمة عادة تنتهى بانصراف المتعاركين دون أن يأخذ هذا حقه أو يتأدب ذاك على فعله. حتى جمهور العركة سواء الواقفون فى الشرفات لمتابعة مجريات الصراخ والسب والشتم وجهود «التحجيز» بين الغريمين من قِبل المارة من أهل الخير، أو من المارة أنفسهم الذين يتابعون ما يجرى، فإن ما يتبقى فى ذاكرتهم من أحداث العركة يكاد يكون صفراً.
أصفار الصراخ فى المعارك السياسية أثقل وطأة. فإذا كانت المعركة التى تنشب بين جارين أو غريبين ويُستخدم فيها الصراخ لا تترك أثراً فى الذاكرة، فإن صراخ المعارك السياسية يترك أثراً ولكن مختلف. فبالإضافة لكونه لا ينفع بل يضر، فإنه لا يؤتى الثمار المرجوة سياسياً. بمعنى آخر، لا يوجد حدث تاريخى جلل واحد تغيرت مجرياته بسبب الصراخ. ما يغير المجريات لصالح هذا الطرف على حساب ذاك هو السياسة المحنكة الهادئة والتكتيك الاستراتيجى المدروس والتحركات الدبلوماسية -سواء الشعبية أو الرسمية- المحسوبة بالملليمتر.
ملليمترات التحركات أخذت منحى آخر فى عصر السوشيال ميديا. فقد أصبح الصراخ بأنواعه متاحاً لكل من هب ودب. لذلك أيقن البعض إلى هذا السلاح متعدد الحدود، وأتقنوا تحريك الصارخين وكأنهم عرائس ماريونيت، وذلك بشكل يخدم مصالحهم وتوجهاتهم. لكن وقوع المواطنين العاديين ضحايا ملوك الماريونيت شىء، وانصياع ملوك الإعلام التقليدى وملكاته لفتنة صراخ منصات التواصل الاجتماعى ونقله إلى شاشاتهم وصفحاتهم، وانتهاجهم النهج الحنجورى الساب الشاتم القاذف نفسه فهذا لو تعلمون أمر كارثى.
كارثية الصراخ السياسى متعددة الأوجه. فهى وإن كسبت الساحة الداخلية لبعض الوقت، فلن تحافظ على هذا المكسب طيلة الوقت. أثر الصراخ عمره قصير. ويكفى أن ننظر إلى قنوات الإخوان وأزلامهم لندرك الأثر الناجم عن الصراخ والمكائد والسب والشتم وتلفيق الأخبار والفيديوهات وتحليل الأخبار من وجهة نظر مكتب الإرشاد. هل ترك كل ما سبق آثاراً كبرى غيرت من مجرى الأحداث بشكل مؤثر؟! هل زاد أتباعهم ومريدوهم؟ هل كسبوا أرضية جديدة؟ هل استدام التعاطف المستجد معهم؟ لا أظن.
وهذا يسرى على كل الصارخين من كل المناحى والتوجهات، بمن فيهم من يظنون أنهم يخدمون الأوطان ويساندونها ويحمونها. هذا إن افترضنا حسن النوايا وكونها لله والوطن فقط، وليس لمغازلة المسئولين أو لضمان البقاء فى سدة الصورة.
الصورة تؤكد لنا أن السياسة لا تبقى على حال، فلا خصومة تدوم أو صداقة وأخوة تخلدان. السياسة كالحياة فى حركة مستمرة. ومن يسكب كل ما فى جعبته مرة واحدة، فإنه بذلك يحبس نفسه فى زاوية واحدة لا ثانى لها، وإن حاول وعاود الظهور فإن ظهوره سيكون فاقد المصداقية والاحترام وأشياء أخرى. علينا أن نتعلم ممن يتقنون حرفة الصراخ المكتوم، فأثره يدوم وما دائم إلا وجه الله.