عودة الاعتبار للدولة الوطنية (2)

دفع دور الدولة الوطنية فى مواجهة جائحة كورونا وتداعياتها وآثارها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية كثيراً من المفكرين والمنظرين إلى مراجعة أفكارهم ومعتقداتهم التى كانت تمقت الدولة أو تنادى بتقليص دورها أو ترى أن دورها قد انتهى بالفعل أو أنه إلى زوال، فعلى سبيل المثال نشر عالم السياسة الأمريكى الشهير فرنسيس فوكوياما فى عدد يوليو/ أغسطس 2020 من الدورية الأشهر فى حقل العلاقات الدولية «فورين أفيرز» مقالاً بعنوان «الجائحة والنظام السياسى.. الأمر بحاجة إلى دولة»، فى هذه المقالة يبدو جلياً أن فوكوياما قد راجع أفكاره تحت وطأة التغيير الهائل الذى أحدثته جائحة كورونا فى نمط التفاعلات الدولية، فالمفكر الذى اشتهر بتنبئه بانهيار ثانى أقوى دول العالم، والذى كان يرى أن الرأسمالية الغربية ونموذجها الديمقراطى الليبرالى الذى لا تلعب فيه الدولة إلا دوراً يسيراً وضئيلاً هى نهاية التاريخ وأرقى ما يمكن أن تصل إليه البشرية.

يرى فى مقالته الجديدة أنه لا غنى الآن عن الدولة الوطنية فى مواجهة تداعيات جائحة كورونا، وأن استجابة المؤسسات غير الحكومية والمجتمع المدنى مهما كانت عظمية لن ترتقى أبداً إلى استجابة الدول فى مواجهة هذه الأزمة، وأن أداء الدول والحكومات فى مواجهة هذه الجائحة هو الذى سيرسم مستقبل التوزيع العالمى للقوة ما بعد انتهاء الجائحة، لذا يرى أو يتوقع أن ميزان القوة الدولية سيستمر بالتحول نحو الشرق، نتيجة نجاح الصين ودول شرق آسيا والشرق الأقصى بالتعامل مع الجائحة، مقارنة بأوروبا أو الولايات المتحدة.

كما يرى أنه على مدى السنوات القادمة، قد يؤدى هذا الوباء إلى انحدار نسبى للولايات المتحدة، واستمرار تآكل النظام الدولى الليبرالى، ويرى أن أهم ما تحتاجه الدول الآن هو مؤسسات حكومية قوية وقادرة على إشاعة التضامن وتوحيد الشعب، ويرى «فوكوياما» أن أزمة كورونا هذه كشفت عن قدرة الحكومات على توفير الحلول بالاعتماد على الموارد الجماعية لدولها، وهذا ما قد يضع حدّاً للأشكال المتطرّفة من الليبرالية الجديدة، وهى أيديولوجيا السوق الحرة التى ابتكرها خبراء اقتصاد من جامعة شيكاغو، مثل جارى بيكر، وميلتون فريدمان، وجورج ستيجلر، خلال ثمانينات القرن العشرين، فقد قدّمت مدرسة شيكاغو تبريراً فكرياً لسياسات الرئيس الأمريكى رونالد ريجان، ورئيسة الوزراء البريطانية مارجريت تاتشر، التى اعتبرت الحكومة الضخمة المتمددة عقبة فى طريق النمو الاقتصادى والتقدم البشرى، لذا يشدد على بروز أهمية دور الدولة وبيروقراطيتها فى التغلب على الجائحة وعلى القادة الذين يوحدون المجتمع وعلى التضامن الاجتماعى.

والأهم أنه يؤكد فى مقالته أن الدول التى تسود فيها الحركات الشعبوية التى تقوم على فكرة تقويض الدولة والتشكيك فى كفاءتها ونزاهتها، وتلك التى تقوم على كراهية الآخر ستكون الأسوأ فى التعامل مع آثار الجائحة، ونظراً لأهمية اتخاذ الدولة إجراءات قوية لإبطاء انتشار وباء كورونا، سيكون من الصعب القول، كما فعل ريجان فى خطاب تنصيبه الأول، إن «الحكومة ليست الحل لمشكلتنا؛ الحكومة هى المشكلة»، كما لن يتمكن أى شخص من تقديم حجة معقولة مفادها أن القطاع الخاص والأعمال الخيرية يمكن أن تحل محل دولة مختصة أثناء حالة الطوارئ الوطنية. فالأزمات لا تحتاج فقط إلى قيادة قوية، بل أهم من ذلك إلى دولة قوية تستطيع التعامل معها وشعب موحّد يستطيع مجابهتها.

الخلاصة هنا أن جائحة كورونا أعادت الروح للدولة الوطنية وأعادت الاعتبار لوظائفها وأدوارها التقليدية التى بدا لوهلة أنها فى طور التآكل، ومكنتها من استعادة هيبتها وفوقيتها، لذا يمكن القول بكل ثقة إن الدولة الوطنية ستبقى رغم بعض محاولات هدمها أو التشكيك فى جدوى بقائها، وستبقى الحاجة إليها وإلى وظائفها وأدوارها التى أثبتت الأيام وأزماتها أنه لا بديل لها ولا عوض عنها.