جديد أمريكا وأزمة السد
قبل عشرة أيام أعلنت الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية على إثيوبيا دون أن تمس المساعدات الإنسانية، وعلى بعض مسئولين حاليين أو سابقين الذين تورطوا فى جرائم وانتهاكات فى إقليم تيجراى الإثيويى، بسبب ميليشيات الأمهرا والقوات الإريترية وتحت سمع وبصر القوات الحكومية الفيدرالية.
العقوبات ذات طابع رمزى إلى حد كبير، لكنها خطوة تعكس قدراً من الانزعاج الأمريكى تجاه بلد حليف يُنظر له كنقطة ارتكاز مهمة للمصالح الأمريكية، ولكن تحدث فيه مآسٍ إنسانية واسعة النطاق، ويبدو أنها مستمرة إلى حين، نتيجة تخلى الحكومة الفيدرالية عن التزاماتها فى حماية شعبها، وبما يتناقض مع جملة المبادئ، لا سيما حقوق الإنسان التى تؤكد إدارة الرئيس بايدن التمسك بها فى علاقاتها مع العالم الخارجى.
البعض رأى أن الأمر قد تكون له صلة بأزمة سد النهضة، بمعنى أنه يمكن أن يساعد فى تغيير المسار الذى تتمسك به أديس أبابا بالنسبة لرفض المطالب المصرية والسودانية المشروعة الخاصة بحقوقهما المائية، وبعدم التضرر الجسيم من فترات ملء السد الإثيوبى، وعمليات تشغيله سواء فى أعوام الأمطار المتوسطة والعالية أو سنوات الجفاف المؤكدة التى تحدث كل سبع سنوات.
أصحاب هذا الرأى، وبالرغم من اقتناعهم بأنه احتمال ضعيف، لكنهم يتمنون حدوثه، غير أن تأمل الوقائع لا يعطى أى مؤشر مهم، أما المتابعون للسياسة الأمريكية تجاه إثيوبيا بوجه خاص، وتجاه القرن الأفريقى بوجه عام، فيدركون الأمر على نحو مختلف، فلا يجدون أى علاقة بين تلك العقوبات وبين أى دور أمريكى محتمل لحمل إثيوبيا على توقيع اتفاق ملزم يحقق مصالح البلدان الثلاثة من جانب، ويصون الاستقرار الإقليمى فى القرن الأفريقى وشرق أفريقيا من جانب آخر.
كل ما هناك أن الولايات المتحدة تتجه إلى بذل جهد دبلوماسى لعله يؤدى إلى توافقات كلية أو جزئية، على أى مستوى بين البلدان الثلاثة، بحيث يحقق قدراً من الهدوء، حتى ولو لم يعالج كل ما يجب معالجته. الرؤية الغالبة على إدارة «بايدن» يبدو أنها تدور حول مبدأ إدارة الأزمة.
وثمة حجج تُقال فى هذا السياق، ترجع بالأساس إلى توازنات الحزب الديمقراطى الذى ينتمى إليه «بايدن»، لا سيما قوى الضغط للنواب من أصول أفريقية، والتى تنحاز إلى حد كبير إلى المقولات الإثيوبية، وإلى كل سياسة تدعم الدور الإثيوبى كممثل للولايات المتحدة فى شرق أفريقيا.
التركيز على الدور الإثيوبى الممثل للمصالح الأمريكية، يختلط فى واقع الأمر بقضية المنافسة والصراع مع الصين، كقوة عالمية تعمل على جذب العديد من الأطراف فى أفريقيا وفى غيرها بعيداً عن النفوذ والمصالح الأمريكية، وتضخ -أى بكين- استثمارات بمليارات الدولارات فى مشروعات بنية أساسية فى إثيوبيا وجيبوتى ودول مجاورة لهما، تطبيقاً لمبادرة الحزام والطريق الصينية، والهادفة أساساً إلى التوغل والتمركز فى العديد من البلدان كنقاط تمركز للتوسع التجارى الصينى عبر العالم.
وهو ما يقلق أمريكا بشكل عام، ولكن يظل السؤال: كيف تواجه أمريكا تلك المنافسة فعلياً؟ ولماذا تتحمل مصر والسودان أعباءها نيابة عن الكسل الأمريكى؟فبينما تضخ بكين ما يقرب من عشرة مليارات دولار استثمارات فى طرق ومصانع ومدن سكنية وسكك حديدية وخطوط للمترو فى إثيوبيا، وتسيطر على 35 فى المائة من إجمالى ديون إثيوبيا، وبعضها معرّض لعدم السداد، وحينها تتملكها الشركات الصينية جملة وتفصيلاً، تقف الولايات المتحدة تنظر بدهشة لاتساع النفوذ الصينى دون أى تحرك جاد يتعلق بالحفاظ حتى على ما يوصف بالمصالح الأمريكية الاستراتيجية ذاتها فى عموم شرق أفريقيا، الأمر الذى يفقدها إلى حد كبير نفوذاً يمكن أن يتم توظيفه فى لحظات الأزمات الإقليمية المعقدة، مثل أزمة السد الإثيوبى.
وفى المقابل لا تتحرك بكين بأى شكل كان حتى ولو من قبيل مجاملة دولتى المصب، بالرغم من المصالح الصينية المتنامية معهما. وبالتالى، وبالرغم من التنافس الصينى الأمريكى، يبدو الأمر غريباً، مفاده توافق ضمنى لتبريد بعض الأزمات، وإدخالها فى عملية إدارة غير محددة المعالم.
أمريكياً، هناك حلول سلمية تفاوضية ولا توجد حلول أخرى، هذا ما أكدت عليه المتحدثة باسم البيت الأبيض قبل ثلاثة أيام، وهناك جهد أمريكى يُبذل يتمثل فى عودة المبعوث جيفرى فيلتمان إلى المنطقة لاستعراض بعض الأفكار ومدى استعداد الأطراف المعنية للقبول بها، وهناك أيضاً استبعاد أمريكى للتفكير فى أى عقوبات أو ضغوط يمكن أن تُمارس على أديس أبابا فى هذا الملف تحديداً. وتأكيدات المتحدثة الرسمية لا تحتمل أى تفسيرات غير ذلك.
بعض التقارير الأمريكية تشير فى هذا الصدد إلى أن تخوفات اللوبيات الأفريقية فى الحزب الديمقراطى الأمريكى تركز على أن الأولوية هى لمنع الفيدرالية الإثيوبية من الانهيار، وبالتالى فأى ضغوط سياسية أو معنوية لا بد أن تراعى هذا الهدف، لا سيما فى ضوء دراسات سابقة نُشرت فى مراكز أبحاث أمريكية تعنى بالشأن الأفريقى حذرت من تحول إثيوبيا إلى نموذج آخر من يوغسلافيا التى انقسمت إلى عدة دول، وأن حدوث هذا الأمر بالنسبة لبلد بحجم إثيوبيا ستمتد نتائجه السلبية إلى شرق أفريقيا بكل ما فيها من مصالح أمريكية وعالمية كبرى.
الكثير من هذه التقارير والدراسات ليست محايدة وغير موضوعية، وهى مصممة فى الأساس للحد من قدرة الإدارة الأمريكية على اتخاذ مواقف حاسمة تجاه إثيوبيا، سواء ذات صلة بأزمة السد، أو أزمة الانتهاكات الإنسانية الهائلة فى إقليم تيجراى، وبالتالى تساعد عملياً حكومة أبى أحمد على المضى فى سياساتها دون تكلفة تذكر.
ونبرة التحدى التى تحدث بها المتحدث الإثيوبى ضد المواقف الأمريكية تشى بقوة لا تتناسب مع حقائق الأوضاع الإثيوبية، اللهم سوى الإدراك بأن هناك سقفاً محدوداً لن تتعداه إدارة «بايدن» فى علاقاتها مع أديس أبابا.
هذه العناصر المتداخلة تؤكد أن التوازنات الحزبية الأمريكية أصبحت عنصراً رئيسياً فى أزمة السد الإثيوبى. وهى ساحة معقدة تختلط فيها الأمور على نحو مشوش ومناقض للواقع وضد المصالح الأمريكية نفسها.
وهنا يبدو على التحرك المصرى السودانى أن يتجه بقوة إلى واشنطن، وإلى دوائر الحزب الديمقراطى وإعلامه، انطلاقاً من أن دولتى المصب هما دولتان أفريقيتان كبيرتان، ولهما حقوق مشروعة فى الحياة وفى المياه، ولا يجب التضحية بها، أو تجاهلها حتى من منظور المصالح الأمريكية فى أفريقيا ككل.
فالخروج من دائرة التبريد التى تتجمع علاماتها يتطلب حركة حسم غير مألوفة.