العِتْرة

فى قاموس لغتنا العامية الجميلة يعرف العِترة بأنه الشخص الشهم.. الكريم.. ذو المروءة.. المدافع عن الحق.. المستقيم.. وفى قاموس الإنجليزية Magnanimous or generous وفى الزمن الحديث.. جاءتنا هذه المرة عِترات من نوع جديد.. جاءتنا من فيروسات لأمراض حيوانية أغلب الظن أنها وافدة وتوطنت فى بلادنا.. بلد الكرم والضيافة. عاشت هذه الفيروسات بيننا تفتك بثروتنا الحيوانية والداجنة بل والبشرية أحياناً.. ولم تكتف بذلك بل دخلت فى حرب ضروس على مدى عشرات السنين مع الطعوم المستخدمة للقضاء عليها، وكثيراً ما نجحت وغيرت من أشكالها وتحورت وتحولت إلى عِترات جديدة Strains «لعنها الله» لتبطل مفعول هذه الطعوم وتعود لتعبث بمقدراتنا. وفى المواجهة عقد علماؤنا الندوات والمؤتمرات وأداروا الحوارات وحلقات النقاش واستعرضوا مستجدات العلم الحديث وتبلورت الآراء ووُضعت الاقتراحات والتوصيات بأسلوبنا المعتاد وهو «البكاء على رأس الميت». تمنيت أن أسمع من علمائنا ما الذى لدينا من فيروسات تهلك ثرواتنا، هل هى كوكتيل منها وعِتراتها كما أعلنت إحدى المتخصصات على مستوى العالم هذه الجزئية فى لقاء علمى؟ هل نحن فعلاً تعرفنا على أسباب ما يدور فى مزارعنا من نفوق وكوارث فاقت الحد؟ أنشأت الحكومات والشركات الخاصة العملاقة فى بلاد العالم مصانع تحضير للقاحات الأمراض المختلفة لديها بأساليب علمية متطورة، كما تم هذا فى بلدان أو دويلات مجاورة بعد التعرف على الفيروسات ومتحوراتها وعزلها من الحقل من خلال برامج قوية مستمرة للتقصى والمتابعة أين نحن من ذلك؟ ثم ماذا قدمنا لإيقاف هذا النزيف؟ أو ما الخطة التى تم وضعها لعلاج ما نحن فيه؟ لقد استطاعت حكومات دول كثيرة التعامل مع هذه الفيروسات ومتحوراتها باستخدام أسلوب الاستئصال Eradication بإعدام المريض من الحيوانات والطيور أو الحامل للمرض أو حتى الواقع فى دائرته وتعويض المربين فى الحال بكامل قيمة ما تم إعدامه أو استئصاله، لتقضى بذلك على المرض من جذوره فأين نحن من ذلك؟ والآن.. هناك جهات سيادية أمينة على الوطن تسابق الزمن لعمل شىء ما لمحاربة هذه التوليفة من الفيروسات وعِتراتها.. نريد نتائج سريعة واضحة ومؤثرة الآن، فهل تنجح؟ هل سنبقى فى حرب الاستنزاف المستمرة مع هذه الفيروسات بعد أن تمكنت من ثروتنا وغذائنا؟ هل يمكن أن نستعد من قبل لاستئصال أى وافدات منها بأدوات المقاومة العلمية المبنية على خريطة جغرافية لأمراضنا وأوبئتنا، بأدوات فعالة للقضاء عليها قبل قضائها على الأخضر واليابس؟ ما العوائق التى تحول دون تقدمنا للانتصار؟ نحن فى ثورة ويجب أن نشعر بها فى كل نواحى حياتنا.. الأموال يجب توفيرها فوراً مهما بلغت قيمتها لدعم علمائنا وأبحاثنا فى هذا المجال وغيره، فالبحث العلمى لدينا غائب تماماً عن الساحة بسبب نقص السيولة أساساً وما يرصد له من مبالغ تقل كثيراً عن إيرادات حفلة من حفلات صيف مارينا! هذه المبالغ من الواجب توفيرها من الحكومة باعتبارها بعداً استراتيجياً، وعلى القطاع الخاص المستفيد أن يتحمل دوره ويساهم بقدر إمكانياته حفاظاً على استثماراته وإبقاء على العمالة الوطنية، وستتولى الصناعة وعلى نفقتها الفترة المقبلة الاستعانة بالعلماء والمعاهد والمعامل الخارجية الأجنبية لإيجاد الحلول السريعة. وبارك الله فى العِترات من رجالنا وعلمائنا وأهلك بفضله عِتراتنا من فيروساتنا.. إنه سميع عليم.