روعة الحوار وثقافة الاختلاف

عادل السيوى

عادل السيوى

كاتب صحفي

«إن لم تكن معى فلا يعنى أبداً أنك ضدى»، هذا منطق العقلاء، أما «إن لم تكن معى فأنت ضدى»، فهذا المنطق مرفوض أخلاقياً وإنسانياً.. إن طبيعتنا كبشر أننا مختلفون لحكمة أرادها الله تعالى «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ».. لقد خلق الله عز وجل الإنسان، وميَّزه عن سائر المخلوقات، ومما ميَّز الله به الإنسان تفرُّد كل شخص عن الآخر، فكل إنسان يعتبر مختلفاً بقدر اختلاف بصمات أنامله، فالاختلاف سمة الحياة، وعلينا أن نتكيف معه، فيسمع كل منا الآخر ويتقبله، مهما اختلفت وجهات النظر، وطرق العمل وأساليب التعامل، فأحد أسباب فشل العمل ضمن فريق هو رغبتنا فى العمل مع هؤلاء الذين يشبهوننا فقط ويعملون بالطريقة نفسها التى نعمل بها، بل لديهم طريقة تفكيرنا نفسها حتى يكون المرؤوس صدى لرئيسه.

إن الاختلاف يمكن أن يكون دافعاً للنجاح، إذا تم استغلاله والاستفادة به، بحيث يتم إبراز نقاط القوة لدى كل فرد فى الفريق، والإسهام فى تغطية نقاط الضعف، فكلٌّ مُيسَرَّ لما خُلق له، ولا يوجد إنسان متميز فى كل شىء فكل منا لديه نقاط قوة، وفرص للتحسين والتطوير، وهناك اختبارات نفسية تسهم فى تحليل الشخصية، ومساعدة الإنسان فى التعرف على طبيعة شخصيته ومكوناته، والاختلاف ليس فى العمل فقط بل فى الحياة اليومية، فلا مناص من التعرض لمواقف نتعامل فيها ونتناقش مع أناس نختلف عنهم فى التفكير والشخصية، وإن لم نتقبل وجهات نظرهم وطريقة تفكيرهم فسننتهى دائماً إلى طريق مسدود.

وثقافة الرأى والرأى الآخر تعنى أن يحترم الإنسان أى فكرة مخالفة لفكرته الأساسية، وأن يناقشها بكل موضوعية وحياد، فى جو من الهدوء ورحابة الصدر، دون التحيز لرأيه الشخصى، وفرضه بالقوة على الطرف الآخر، وقد يختلف بعضنا على موضوع حوارى، لكن الأهم يتمثل فى طريقة المحاورة، وعدم تقييدها بأفكار محدودة وبدون إبداع فكرى وثقافى.

إن الثقافات العالمية اليوم بتنوعها وتفردها على الأخرى بقيم فنية وثقافية وفكرية لم تفقد كل منها هويتها التاريخية وتراثها العريق، وهذا الشىء يدل على أننا خرجنا من «صدام الحضارات» إلى «حوار الثقافات» مع جميع بلاد العالم، والذى بواسطته نبنى أفكاراً حرة هدفها الإبداع الفكرى بشكل أساسى، وتجبرنا ظروف الحياة على أن نتعامل مع مختلف أنماط الشخصية، وهذا التعامل لا يعنى أننا فى اتفاق دائم معهم، فقد نتفق أحياناً ونختلف أحياناً، فلماذا يصر البعض على فرض آرائهم على الآخرين ويستميتون ليجعلوا منهم صوراً مكررة لهم، أليس من الأفضل الأخذ بأكثر من رأى ليُستفاد من وجهات النظر المتعددة؟!

إننا نحتاج إلى تعلم ثقافة الاختلاف لا الخلاف، وقد قال الإمام الشافعى: «كلامى صواب يحتمل الخطأ، وكلام خصمى خطأ يحتمل الصواب»، فلكل وجهة نظر من الواجب احترامها، ورحب عمر بن الخطاب بعرض وجهات النظر وحث عليها بقوله: «لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها».

إن التعدد فى وجهات النظر يسهم فى تصحيح الآراء الخاطئة إذا كان الطرح واقعياً وشاملاً، بحيث لا يكون نتيجة غرور بالنفس، وحرص على الصدارة فالأنا المتصدرة يوماً ما سيسقط قناعها وتنكشف.

إن ثقافة الاختلاف واضحة فى رسول الله الذى كان يؤمن بها، والتى هى مناقضة لثقافة الخلاف، حيث إنه -عليه أفضل الصلاة وأجل التسليم- كان يشاور أصحابه، ونساءه، ويستشيرهم، ويأخذ بآرائهم ومقترحاتهم فلماذا لا نتبع سيرته ونحترم رأى الآخرين، ونتحاور حواراً حضارياً إيجابياً لمصلحة المجتمع وتماسكه بعيداً عن التعصب والاستبداد بالرأى؟