ميثاق الأطلسي الجديد والقديم.. بداية ونهاية الإمبراطورية الأمريكية

    بعد ثمانين عاما من العمل الإمبراطوري الأمريكي والتي بدأت بتوقيع ميثاق الأطلسي القديم بين روزفلت وتشرشل في الرابع عشر من أغسطس عام 1941 يعود زعيما البلدين الحاليين بايدن وجونسون لتوقيع ميثاق الأطلسي الجديد في الحادي عشرمن يونية 2021.

وقراءة نصوص وبنود الميثاقين وتحليل الظروف التاريخية المحيطة بالوثيقتين يكشف بجلاء عن بداية ونهاية الإمبراطورية الامريكية.

فقد تم صياغة بنود الميثاق القديم الثمانية بدهاء كبير من قبل روزفلت وفريقه بحيث يكون بمثابة تسليم وتسلم قيادة العالم الغربي للولايات المتحدة.

وانهاء الدور الإمبراطوري البريطاني في العالم وبداية الدور الإمبراطوري الأمريكي، واضطر تشرشل الى القبول تحت ضغوط بدايات الحرب العالمية الثانية. بينما يأمل بايدن وفريقه ان يكون الميثاق الجديد بداية لمرحلة جديدة من عمر الإمبراطورية الامريكية من خلال روح الميثاق القديم بعناوين جديدة تشمل حماية الديمقراطية والأمن المشترك وبناء نظام تجاري عادل ومستقر. الا ان تغير الظروف العالمية تؤكد ان هذا الميثاق قد يكون بداية النهاية للإمبراطورية الأميركية كما كان ميثاق الأطلسي القديم بداية لها. وان الولايات المتحدة الامريكية -كما أشار الرئيس الروسي فلاديمير بوتن مطلع هذا الأسبوع تسير بخطى واثقة وثابتة على خطا الاتحاد السوفيتي.

الميثاق الجديد

أعلن مكتب رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون أن مباحثاته مع الرئيس الأمريكي جو بايدن، من المقرر أن تثمر عن تبني ميثاق الأطلسي الجديد الذي سيحدد اتجاهات العمل المشترك للبلدين.وسيعقد جونسون وبايدن أول لقاء ثنائي لهما يوم الخميس العاشر من يونيو في مقاطعة كورنوال جنوب غربي إنجلترا، عشية قمة مجموعة السبع الكبرى بين الـ11 والـ13 من يونيو.وأشار مكتب جونسون إلى أن الوثيقة التي سيتبناها الزعيمان ستشبه ميثاق الأطلسي الذي تبناه رئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرشل والرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت عام 1941.

وسيؤكد الزعيمان في الوثيقة أنهما "سيبذلان جهودا مشتركة للتعامل مع التحديات الماثلة أمام العالم اليوم، ابتداء من الدفاع العالمي والأمن ووصولا إلى تعافي الاقتصاد بعد أزمة فيروس كورونا ومحاربة التغير المناخي".

وستتضمن الوثيقة 8 بنود أساسية يعتزم جونسون وبايدن العمل عليها بشكل مشترك، بناء على قيم "حماية الديمقراطية والأمن المشترك وبناء نظام تجاري عادل ومستقر".ويشير الميثاق إلى التحديات الجديدة، ومنها الهجمات السيبرانية وحماية التنوع الحيوي والتصدي لوباء فيروس كورونا وإنعاش الاقتصاد.وقال جونسون في البيان الذي نشره مكتبه، إن التعاون بين بريطانيا والولايات المتحدة سيكون "أساسيا بالنسبة للاستقرار والازدهار العالمي في المستقبل".وسيركز جونسون وبايدن على محاربة وباء فيروس كورونا ومنع وقوع موجات جديدة منه في المستقبل، وتعزيز العلاقات الثنائية في مجال الأمن والدفاع والعمل على استئناف الرحلات الجوية بين البلدين في أقرب وقت، إلى جانب تعزيز الروابط الاقتصادية وتسوية الخلافات بشأن الرسوم التجارية وصياغة اتفاقية للتكنولوجيا قد يتم توقيعها العام المقبل.

الميثاق القديم

صاغ الرئيس الأمريكي فرانكلين دي روزفلت ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل ميثاق الأطلسي في مؤتمر الأطلسي (الذي يحمل الاسم الرمزي ريفيرا) في خليج بلاسينتيا Placentia في نيوفاوندلاند. وأصدروا ذلك كإعلان مشترك في 14 أغسطس 1941 في المحطة البحرية أرجنتيا على الرغم من أن الولايات المتحدة لن تدخل رسميا الحرب إلا بعد أربعة أشهر من بدأ العمل بها . تم إصدار البيان على هذا النحو حيث لم تكن هناك وثيقة قانونية رسمية بعنوان "الميثاق الأطلسي" ملزمة. وقد تم توضيح الأهداف والغايات لقوى الحلفاء فيما يتعلق بالحرب وعالم ما بعد الحرب.

جاءت العديد من أفكار الميثاق من أيديولوجيا الأممية الأنجلوأمريكية التي سعت للتعاون البريطاني والأمريكي  في قضية الأمن الدولي. وقد ساعدت محاولات روزفلت في ربط بريطانيا بأهداف حربية ملموسة ويأس تشرشل من إلزام الولايات المتحدة بالمجهود الحربي في توفير الدوافع للاجتماع الذي أنتج ميثاق الأطلسي. كان من المفترض في ذلك الوقت أن يكون لبريطانيا وأمريكا دور متساوي في أي منظمة دولية بعد الحرب تستند إلى مبادئ ميثاق الأطلسي.

بدأ تشرشل وروزفلت التواصل في عام 1939؛ وكان هذا أول اجتماع من اجتماعاتهم الحادية عشرة التي توالت لاحقا. سافر كلا الرجلين سرا وكان روزفلت في رحلة صيد لمدة عشرة أيام. في 9 أغسطس 1941، وقد رست السفينة الحربية البريطانية HMS برينس أوف ويلز إلى خليج بلاسينتيا، وكان تشرشل على متنها، والتقت بطائرة الولايات المتحدة الأمريكية الثقيلة أوغوستا ، حيث كان روزفلت وأعضاء طاقمه ينتظرون.

النقاط الرئيسية الثماني في الميثاق هي:

1.    لا تسعى الولايات المتحدة أو المملكة المتحدة للحصول على مكاسب إقليمية.

2.    يجب أن تكون التسويات الإقليمية مطابقة لرغبات الشعوب المعنية.

3.    جميع الناس لديهم الحق في تقرير المصير.

4.    حواجز التجارة  ينبغي تخفيضها.

5.    يجب التعاون الاقتصادي العالمي والنهوض بالرفاه الاجتماعي.

6.    سيعمل المشاركون من أجل عالم خالٍ من العوز والخوف.

7.    سيعمل المشاركون في حرية البحار.

8.    يجب نزع سلاح الدول المعتدية، ونزع السلاح المشترك بعد الحرب.

بايدن يقر بعدم وجود دولة قادرة بمفردها على حل المشاكل الدولية الحالية

قبل توقيع الميثاق الجديد وفي حديث أمام قوات أمريكية أثناء زيارته إلى بريطانيا، أقر الرئيس الأمريكي جو بايدن بعدم وجود دولة تستطيع بمفردها حل المشاكل الدولية الراهنة. أفصح عن ذلك بايدن في قاعدة ميلدنهال، الواقعة في مقاطعة سوفولك الإنجليزية، عقب وصوله إلى هناك في زيارة إلى بريطانيا.وصرّح رئيس الإدارة الأمريكية بأنه توجه إلى أوروبا للمشاركة في عدد من الاجتماعات رفيعة المستوى، مشيرا إلى أن "هذه الدبلوماسية ذات أهمية رئيسة، إذ لا توجد دولة بمفردها قادرة على التغلب على التحديات التي نواجهها.. العالم يتغير".ورأى بايدن أن الوضع الدولي الحالي "يختلف جوهريا حتى عما كان عليه قبل 10 سنوات"، مشيرا إلى أنه "يجب أن نبني المستقبل المشترك الذي نسعى إليه".وأكد أن الولايات المتحدة لن تحاول فرض إرادتها على دول أخرى لتحقيق مثل هذا المستقبل، لافتا  إلى أنه "مستقبل تكون فيه الدول خالية من الإكراه أو السيطرة من قبل الدول الأكثر قوة"، وأن مثل هذا المستقبل يفترض مسبقا أن الفضاء البحري والجوي والخارجي الدولي سيظل "حرا ومتاحا لمنفعة الجميع".وشدد الرئيس على أنه من أجل التغلب على الوباء الحالي وتحييد "التهديدات البيولوجية" المستقبلية، ولحل مشكلة تغير المناخ العالمي، فإن التعاون الدولي يتطلب "إجراءات منسقة متعددة الأطراف"، وعلى الجميع الالتزام "باتخاذ إجراءات مناخية طموحة، إذا أردنا منع أسوأ العواقب لتغير المناخ .." . وحذر الرئيس الأمريكي في السياق ذاته من أن التقاعس عن العمل في هذه المسألة سيؤدي إلى "نزوح كبير" لسكان الكوكب، وإلى "معارك من أجل الأرض"، مشيرا إلى أن ملايين الأشخاص سيضطرون إلى مغادرة أراضيهم الأصلية، لأنهم سيجدون أنفسهم تحت مستوى سطح البحر. وذكر بايدن في هذا السياق إندونيسيا على وجه التحديد.

الولايات المتحدة تسير بخطى واثقة على درب الاتحاد السوفيتي

حذر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من أن الولايات المتحدة بنهجها السياسي الحالي ترتكب "خطأ خاصا بالإمبراطوريات" قد يفضي في نهاية المطاف إلى انهيارها.وقال بوتين، خلال لقاء عقده الجمعة  الرابع من يونيو مع وسائل إعلام دولية كبرى على هامش منتدى بطرسبورغ الاقتصادي الدولي: "نسمع تهديدات متواصلة من الكونغرس وأماكن أخرى، ويأتي كل ذلك ضمن العمليات السياسية الداخلية الجارية في الولايات المتحدة".ولفت بوتين إلى أن المسؤولين عن ممارسة هذا النهج يعتقدون على الأرجح أن الولايات المتحدة تمتلك القدرات الاقتصادية والعسكرية والسياسية الكافية لعدم الخوف من عواقب مثل هذا السلوك، وهم مقتنعون بأن بلدهم سيتمكن من تحمل هذه التبعات.وأضاف بوتين: "سأكشف لكم، كمواطن سابق للاتحاد السوفيتي، عن جوهر المشكلة. هناك مشكلة خاصة بالإمبراطوريات تكمن في قناعتها بأن عظمتها تتيح لها ارتكاب أخطاء صغيرة. إنهم يعتقدون: سوف نشتري أولئك وسوف نخيف أولئك، وسوف نتفق مع أولئك وسوف نهدي قلادة إلى أولئك وسوف نهدد أولئك بسفن حربية، وسنحل كل مشاكلنا. لكن المشاكل تتراكم وتحل اللحظة التي لا يعود فيها من الممكن تحملها". وتابع: "تسير الولايات المتحدة بخطى واثقة وثابتة على خطا الاتحاد السوفيتي".