«مسيرة الأعلام».. صب الزيت على النار

جيهان فوزى

جيهان فوزى

كاتب صحفي

بدأت مع احتلال إسرائيل للقدس الشرقية فى أعقاب حرب يونيو 1967، احتفالات سميت «يوم القدس» أو «مسيرة الأعلام». المسيرة التى يشارك فيها المتطرفون اليهود فى 5 يونيو حسب التقويم العبرى، هو اليوم الذى سيطرت فيه إسرائيل على القدس الشرقية، يشارك فيها آلاف من اليهود المتطرفين والمستوطنين، يسيرون فى شوارع القدس وأزقتها لإحياء ذكرى احتلال الجزء الشرقى منها، ووقوع المدينة برمتها تحت السيطرة الإسرائيلية، ويحمل المشاركون الأعلام الإسرائيلية ومكبرات الصوت، وهم يرقصون وينشدون أغانيهم، فى استفزاز واضح لمشاعر المقدسيين والفلسطينيين عموماً، فهذه الجماعات اليمينية المتطرفة وحركات الاستيطان المتشددة، تحاول المرور عبر الأحياء العربية فى البلدة القديمة انطلاقاً من باب العامود وصولاً إلى حائط البراق حيث يجتمع المشاركون فى نهاية المسيرة.

«مسيرة الأعلام» هى محاولة لترسيخ الوجود الإسرائيلى فى القدس الشرقية كجزء أصيل من إسرائيل وليست محتلة بحكم القانون الدولى، وكانت قد بدأت نشاطها عام 1974، لكنها توقفت خلال الفترة بين عامى (2010-2016) بسبب المواجهات التى كانت تندلع بين المشاركين فى المسيرة والفلسطينيين، فالشرطة الإسرائيلية تجبر أصحاب المتاجر الفلسطينيين فى الحى القديم على إغلاق محالهم، وتقيم العديد من الحواجز العسكرية، لمنع وقوع مواجهات بينهم وبين المتطرفين المشاركين فى المسيرة. واكتسبت مسيرة الأعلام زخماً إعلامياً وسياسياً هذه المرة لإصرار المشاركين بالمرور بالحى الإسلامى العربى، رغم حساسية ما يجرى فى القدس، ومحاولات المستوطنين اليهود إخراج الفلسطينيين من منازلهم فى حى الشيخ جراح، وهو الأمر الذى كان بمثابة انطلاق الشرارة التى أشعلت المواجهات 11 يوماً من القصف بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية فى قطاع غزة، انتهت بهدنة هشة قابلة للانفجار فى أى وقت، خاصة أن الولايات المتحدة الأمريكية حذرت الحكومة الإسرائيلية من وقوع استفزازات وقلاقل فى القدس الشرقية، مما يهدد باندلاع موجة عنف جديدة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهى بالكاد توقفت منذ فترة قصيرة.

لقد أُجلت «مسيرة الأعلام» الاستفزازية فى مدينة القدس المحتلة أكثر من مرة، بعد تحذير فصائل المقاومة من السماح بتنظيم المسيرة والمرور عبر باب العامود، لكن بعد تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة «نفتالى بينيت» اليمينى الأكثر تطرفاً، بدا واضحاً أن الحكومة الجديدة تستهل عملها بمحاولة إرضاء المستوطنين والمتطرفين، وهذا هو السبب الرئيسى الذى يدفع مثل هذه السلطات بأن تعطى تصريحاً لهذه المسيرة بالسير، رغم الاحتمالات بأن ينحرف مسارها بعيداً عن المسجد الأقصى وضواحى القدس، بما يشكل انفجاراً عاماً فى الأراضى الفلسطينية المحتلة، فضلاً عن مطالبة رئيس هيئة أركان جيش الاحتلال «أفيف كوخافى» من قادة الجيش، الاستعداد لإمكانية عودة التصعيد مع قطاع غزة! بما يعنى إصرار الحكومة الإسرائيلية على تنفيذ رغبة المتطرفين والمستوطنين، لأنها فى واقع الأمر هى جزء من أيديولوجيتهم العنصرية، وتعبر عن أفكارهم. حكومة الاحتلال الجديدة تريد تأكيد مزاعمها بأن القدس هى عاصمة الكيان الصهيونى، وأن المسيرة هى جزء من سيادة ملكيتها على مدينة القدس، وأن القدس صهيونية، وليست عربية، ولعل هذه النقطة هى الأهم التى يحاول الاحتلال تثبيتها. مسيرة الأعلام فكرة نتنياهو للتأكيد على موقفه، وخلق مشكلة أو حراك للحكومة الجديدة، فى حالة حدوث أى صدامات أو مواجهات مع الفلسطينيين، غير أن رئيس الوزراء «نفتالى بينيت» وحكومته، هم أقصى يمينية من نتنياهو، ومواقفهم هى الأكثر تشدداً، وكلمة «بينيت» فى خطاب كسب الثقة فى الكنيست تؤكد ذلك.