وجه آخر للصراع على النيل

الصراع على النيل هو صراع قديم دخلته كل الإمبراطوريات في التاريخ الإنساني تقريبًا، وآخر حلقات هذا الصراع الإمبراطوري على النيل هو صراع الصين والولايات المتحدة، وقد تبلور مؤخرًا في صراع بين مشروعين للهيمنة على دول العالم النامي من بوابة تحديث البنية التحتية لدول العالم النامي، يمثله على الجانب الصيني مبادرة الحزام والطريق (BRI)، ويمثله على الجانب الأمريكي مبادرة الشراكة لإعادة بناء عالم أفضل (B3W).

وقد سبقت مبادرة الحزام والطريق في الوصول الى منابع النيل في إثيوبيا فقد نفذت الصين على سبيل المثال، وفقًا لإحصاءات هيئة الاستثمار الإثيوبية، نفذت الشركات الصينية حوالي 1564 مشروعًا استثماريًا بين عامي 1998 و2020 إما قيد التشغيل أو قيد الإنشاء، كما تمّ بناء سكة حديد «أديس أبابا - جيبوتي»، وهي أول سكة حديد كهربائية من نوعها في شرق إفريقيا، وفقًا للمعايير والمرافق الصينية، بفضل مبادرة الحزام والطريق الصينية، أنشأت إثيوبيا الأساس لتطوير الاتصالات المتقدمة.

وفي المقابل، وقبل إعلان الولايات المتحدة الرسمي لمبادرة الشراكة لإعادة بناء عالم أفضل في قمة السبع وتحديدًا في الشهر الماضي، في محاولة للحصول على تراخيص الاتصالات السلكية واللاسلكية في إثيوبيا، خسرت شركة (MTN) الجنوب أفريقية لأنّها تعاونت مع صندوق طريق الحرير، صندوق الاستثمار المملوك للدولة في الصين، وفاز «كونسورتيوم» الذي تدعمه الولايات المتحدة وتقوده شركة «فودافون» بسعر 850 مليون دولار، بدعم بمليارات الدولارات من الوكالات التابعة للحكومة الأمريكية، تمّ ذلك بشرط ألا تستخدم معدات ومرافق اتصالات صينية الصنع.

يقودنا هذا بسهولة إلى التفكير في كيف أصبحت القوى الغربية والصين في حالة حرب مع بعضها البعض للاستيلاء على أرض آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، ويبدو أن الصراع على النيل سيكون المعركة الأولى في هذه الحرب القادمة، فالتعنت الإثيوبي مدعوم صينيًا بمشروعات على الأرض، ومدعوم بنفس القدر بوعود أمريكية ستتحقق في حال تخليها عن الجانب الصيني وستكون على حساب الحقوق التاريخية لمصر والسودان، وتوظيف للغضب العربي والمخاوف المصرية السودانية في حال عدم الامتثال.

وربما هذا هو السبب الحقيقي وراء فشل كل جولات المفاوضات بين مصر والسودان وإثيوبيا في التوصل لاتفاق حول قواعد ملء وتشغيل السد، وكان أبرز تلك الجولات تلك التي عقدت برعاية أمريكية، دون توقيع اتفاق بين الدول الثلاث، حيث رفضت إثيوبيا توقيع الاتفاق الذي توصلت إليه المفاوضات، كما فشل الاتحاد الإفريقي على مدى ثلاث دورات، برئاسة كل من مصر وجنوب أفريقيا والكونغو على التوالي، في دفع الدول الثلاث لإبرام اتفاق.

ويشير إلى هذا الوجه الآخر للصراع على النيل قول وزارة  الخارجية إنَّ مهمة جيفر فيلتمان المبعوث الأمريكي الخاص تؤكّد «التزام واشنطن بقيادة جهد دبلوماسي مستدام لمعالجة الأزمات السياسية والأمنية والإنسانية المترابطة في القرن الإفريقي وليس سد النهضة فقط». 

ويبدو أن مصر مطالبة بوضع هذا الوجه من وجوه الصراع الإمبراطوري على النيل في حساباتها، وهي تتعامل مع الجانبين المتنافسين عن بعد على النيل وهما يدعيان صداقة مصر، ويجب أن يعرف قطبا العالم الجديدين أن مصالحهما عبر مبادراتهما المتنافستين لن تتحقق ولن تتغلب إحداهما على الأخرى دون مصر.

وقد أحسنت مصر والسودان صنعًا بالتوجه إلى جامعة الدول العربية بعد الاتحاد الأفريقي بالانخراط في القضية، ولعب دور يجعل الأطراف الدولية المتصارعة على النيل تلك تضع في حساباتها مصالح مصر باعتبارها مدخلًا لنجاح سياساتهم في الشرق الأوسط خصوصًا والعالم النامي على جه العموم.

فعلى الصين أن تدرك أن 12% من استثماراتها الخارجية الموجودة في الشرق الأوسط ستتأثر سلبًا، وأن 230 مليارًا من التجارة الصينية العربية السنوية يمكن أن تتوقف إذا أضيرت مصر والسودان، وعلى الولايات المتحدة الامريكية أن تدرك أن وجودها التاريخي في المنطقة يمكن أن يتعرض لنكسات حقيقية في حال تضرر شعبي البلدين.

وهذا الوجه من وجوه الصراع الإمبراطوري الجديد على النيل يحمل بين طياته تحديد موقع البوابة الذهبية للدخول إلى إفريقيا والشرق الأوسط، وهل ستكون عبر القاهرة أم أديس أبابا؟ وهو ما يفرض بعدًا استراتيجيًا للصراع على النيل إضافة الى كونه قضية وجود بالنسبة للشعب المصري والسوداني، وليس أمام مصر خيار سوى الانتصار في هذا الصراع لأنّه صراع حياة أو موت بالنسبة لها وشعبها، كما أنَّه مفتاح لدور استراتيجي مستقبلي تستحقه مصر ومؤهله له، لفرض شروط أفضل على القوى المتنافسة لتنمية دول المنطقة، وربما فرض طريق ثالث للتنمية الذاتية لدول المنطقة بعيدًا عن الاستقطاب الدولي بأشكاله الجديدة.