حكاية «الطيب» أشهر سقا في الأقصر.. ماتت والدته عطشا فروى الجميع على روحها

كتب: عبدالله مجدي

حكاية «الطيب» أشهر سقا في الأقصر.. ماتت والدته عطشا فروى الجميع على روحها

حكاية «الطيب» أشهر سقا في الأقصر.. ماتت والدته عطشا فروى الجميع على روحها

يخرج من بيته في هيئته المعتادة، مرتديا العباءة والقبعة البيضاء التي تُميز الشيوخ، حاملا في يده اليسرى جركن مملوء بالمياه المثلجة وفي الأخرى أكواب، يجوب بها كل المناسبات التي تقام في نطاق محافظته، يسقي العطشى مجانا، يلتف حوله الناس، الذين اعتادوا رؤيته في ذلك المشهد دومًا، يطلبون منه شربة ماء، وكلما فرغ الإناء، توجه به لأقرب مكان تتوافر فيه المياه الباردة، ثم يعود لسقاية الناس، يفعل ذلك في كل مناسبة دون مقابل.

19 عامًا قضاها «الطيب محمد» البالغ من العمر 56 عامًا، على تلك الهيئة لا يترك مناسبة سعيدة أو حزينة، إلا وتوجه لسقاية الموجودين فيها مجانًا، يتحمل مشقة حمل إناء الماء البارد، والوقوف والتجول في الزحام لعدة ساعات لسقاية الناس، بهدف أن تكون صدق جارية على روح والدته التي توفيت بين يديه، وكان آخر طلب لها في الدنيا هو الحصول على شربة ماء، ولم يتمكن من تلبيته لها آنذاك.

توفت والدته في حضنه وكانت ترغب في شرب الماء

في أحد أيام شهر رمضان الكريم عام 2002، جلس «الطيب» مع والدته عقب تناول الإفطار، وبدأت عليها علامات التعب والإجهاد، وبدأت الروح تنازع الجسد للخروج منه، فطلبت من نجلها شربة ماء، «قعدتها وجريت أجيب لها المياه، بس لما رجعت ومعايا المياه اللي طلبتها لقتها اتوفت»، ليعش حالة كبيرة من الحزن لم يستطع الخروج منها حتى الآن، فهي أقرب إنسان في الدنيا إلى قلبه.

أشهر قليلة مرت، وقرر «الطيب» الذي يعمل مؤذنا في أحد مساجد الأقصر، إقامة صدقة جارية على روح والدته، بعد تفكير طويل استقر على أن تكون الصدقة، هي آخر ما طلبته في الدنيا ولم تتمكن من تحقيقه، فتوجه في بداية الأمر لشراء «جركن» نظيف يصلح للمياه وأكواب، وبدأ في تنفيذ صدقته على روح والدته، «أول مرة لما شفت الناس قد إيه محتاجة للمياه وبترويهم، قررت أكمل في الفكرة دي وربنا مقدرني لحد دلوقتي».

يحضر كل المناسبات التي تقام في الأقصر لسقاية الناس مجانا ويتمنى أن يحج لها

لم يترك مناسبة يسمع بها تقام في بلدته إلى وتوجه إليها، حاملا «جركن» المياه والأكواب، يسير بين المتواجدين فيها يسقيهم الماء البارد، «أي مناسبة بروحها، فرح، عزاء، وموالد»، ومن بينهم «مولد سيدي أبو الحجاج، العشى، أبو القمصان، والإدريسي»، ويحضر أيضا حفلات القرآن الكريم التي يرتل فيها كبار المشايخ المعروفين في نطاق محافظة الأقصر.

حلم وحيد يتمنى «الطيب»، تحقيقه في حياته، هو أن ينال فرصة أن يحج لنفسه كما حجت والدته في عام 97، إلا أن الفرصة لم تأتِ.


مواضيع متعلقة