الثالث من يوليو وعودة وجه مصر المشرق
ليس من قبيل المبالغة القول بأن سحابة شديدة السواد قد رانت على وجه مصر المشرق، وأن قدراً من الكآبة قد كسا وجوه معظم المصريين والمصريات، خلال سنة بائسة اهتزت خلالها أركان الدولة المصرية العريقة بدرجة لم تحدث منذ تأسيسها على يد محمد على قبل أكثر من مائتى عام. لقد قامت الدولة المصرية وتطورت على أسس راسخة لم تتغير بالرغم من الانتقال من حكم الوالى (من محمد على حتى محمد سعيد)، إلى حكم الخديو (من إسماعيل حتى عباس حلمى الثانى)، إلى حكم السلطان (مع حسين كامل وأحمد فؤاد)، وحكم الملك (أحمد فؤاد وفاروق)، وأخيراً إلى الرؤساء (نجيب وعبدالناصر والسادات ومبارك). أسس محمد على دولة مصرية مستقلة، يجنى المصريون ثمار تقدمها، ويحارب جيشها المكوَّن من أبنائها من أجل رفعتها. وكانت الانتصارات الساحقة التى حققها الجيش المصرى، المكوَّن للمرة الأولى من أبناء الفلاحين المصريين، بقيادة إبراهيم باشا، فى مواجهة الجيش العثمانى، جيش دولة الخلافة الآفلة، خلال الفترة بين عامى 1833 و1839، التجسيد الحقيقى للهوية المصرية المستقلة. وبالرغم من تكالب الدول الأوروبية بزعامة إنجلترا على إجهاض الإمبراطورية المصرية فى عهد محمد على، والشروط المجحفة بحق مصر فى معاهدة لندن عام 1840، فقد ترسخت مكانة مصر كدولة شبه مستقلة منذ ذلك التاريخ. وبذل جميع حكام مصر منذ تلك اللحظة الجهود الممكنة لتعزيز تلك المكانة، مع تباين درجات النجاح والإنجاز، وفقاً لاختلاف الأوضاع المحلية والإقليمية والدولية.
وكما حققت الدولة المصرية الفتية طفرات تنموية هائلة وانتصارات عسكرية مجيدة فى فترات من تاريخها الحديث والمعاصر، فقد تعرضت لفترات من البطء أو التراجع ولبعض الهزائم، لكن الأغلبية الساحقة من المصريين كانت دائماً مع تعزيز مكانة ذلك الوطن الذى يعتزون بالانتماء إليه، ومع الاحتفاء والزهو فى حالات تحقيق التقدم والازدهار فى مجالات التنمية فى الداخل والانتصارات السياسية والعسكرية فى التعامل مع الدول الأخرى، والاستعداد للعودة إلى المسار القويم فى حالات التراجع والهزيمة. كان هذا، وما زال، دأب المصريين منذ محمد على وإبراهيم باشا وحتى نجيب وعبدالناصر والسادات ومبارك، مروراً بمحمد سعيد وإسماعيل وعباس حلمى الثانى وفؤاد وفاروق. لقد ظنت جماعة نبتت نبتاً شيطانياً فى وادى النيل الخالد ودلتاه أنها قادرة، بدعم إقليمى ودولى لم يكن خافياً على أحد، على اختطاف الدولة المصرية العريقة والسيطرة على الشعب المصرى الأبىّ صاحب التاريخ التليد والحضارة الخالدة. اعتاد المصريون، منذ تأسيس دولتهم الحديثة، على تبنى وجهات نظر مختلفة فى السياسة والاجتماع والاقتصاد وغيرها، بيد أن اختلافاتهم ظلت دوماً فى إطار الدولة المصرية، وسعت جميعها إلى الارتقاء بمصر وبالمصريين. تمثلت المأساة الحقيقية لتلك الجماعة فى الظن، الذى كان كله وليس بعضه إثماً، بأنها قادرة على حكم مصر وتبنى سياسات تحقق أهداف قوى خارجية، من خلال التنسيق أو تلقى التوجيهات من قوى أو من تنظيم خارج حدود الدولة المصرية. لقد ابتُليت الجماعة وقادتها بخليط غريب من الغرور والجهل وسوء التقدير، ويعف قلمى عن استخدام كلمات أخرى قد تكون أقوى بلاغة فى التعبير وأكثر صدقاً فى التوصيف.
كان من المستحيل أن تُحكم مصر رفاعة الطهطاوى وعلى مبارك ومحمد عبده والبارودى وشوقى وحافظ وأحمد لطفى السيد والعقاد وطه حسين ومحمد حسين هيكل والمازنى والرافعى وأحمد حسن الزيات ومحمود حسن إسماعيل وعلى محمود طه ولويس عوض ونجيب محفوظ وجمال حمدان وجمال الغيطانى، وغيرهم من مفكرى مصر وأدبائها وشعرائها العظام، من قبَل تلك الجماعة وقياداتها من كارهى الفكر والثقافة. وكان من المستحيل أن تُحكم مصر على مشرفة وعلى إبراهيم وسميرة موسى ويحيى المشد وفاروق الباز وأحمد زويل ومجدى يعقوب وهانى عازر، وغيرهم من علماء مصر البارزين، من قبَل تلك الجماعة وقياداتها من أعداء العلم والعلماء. وكان من المستحيل أن تُحكم مصر محمد شريف باشا وأحمد عرابى ومحمد عبيد ومصطفى كامل ومحمد فريد وسعد زغلول وعدلى يكن وعبدالخالق ثروت ومصطفى النحاس ومكرم عبيد وأحمد ماهر والنقراشى، وغيرهم من القيادات الوطنية المصرية، من قبَل تلك الجماعة وقياداتها ممن لا يكترثون بالمصلحة الوطنية المصرية. وكان من المستحيل أن تُحكم مصر الأميرة فاطمة هانم إسماعيل وهدى شعراوى وصفية زغلول وسيزا نبراوى وملك حفنى ناصف وسهير القلماوى وعائشة راتب، وغيرهن من سيدات مصر العظيمات، من قبَل تلك الجماعة وقياداتها من أصحاب النظرة السلبية تجاه المرأة.. وكان من المستحيل أن تُحكم مصر محمود مختار وجمال السجينى ومحمود سعيد وأحمد صبرى وسيد درويش وزكريا أحمد ومحمد عبدالوهاب والقصبجى والسنباطى وكمال الطويل ومحمد الموجى وبليغ حمدى وأم كلثوم وليلى مراد ونجاة وشادية وعبدالحليم حافظ ومحمد كريم وكمال سليم وصلاح أبوسيف ويوسف شاهين وهنرى بركات وكمال الشيخ، وغيرهم وغيرهن من مبدعى مصر ومبدعاتها وفنانى مصر وفناناتها، من قبَل تلك الجماعة وقياداتها من أعداء الفن والإبداع.
ظنت قيادات الجماعة، وبعض الظن على الأقل إثم، أن بإمكانهم السيطرة على مقاليد الدولة المصرية العريقة، وقيادة أحفاد وحفيدات وأبناء وبنات القائمة الطويلة من القامات المصرية التى تضم أعداداً هائلة إلى جانب مَن تمت الإشارة إليهم، إلى الطريق المجهول الذى رسمه لمصر حلفاء الجماعة من القوى الإقليمية والدولية الكارهة لمصر، والتى يسوؤها أن ترى مصر فى المكانة التى تستحقها. ومن ثم، لم يكن «الثالث من يوليو» حدثاً مفاجئاً بالنسبة لجميع المصريين والمصريات خلا قيادات الجماعة وأعضاؤها والمتحالفون معها من الطامحين لاقتسام الغنائم معها على حساب شعب مصر العظيم. ولم يكن مفاجئاً أن يضطلع الجيش المصرى العظيم وقيادته الوطنية بدوره فى إزاحة تلك السحابة الداكنة من سماء وادى النيل ودلتاه، وأن يعيد إلى مصر وجهها المشرق وابتسامتها الصافية. لم يكن الجيش المصرى الحديث، منذ تأسيسه بقيادة إبراهيم باشا فى النصف الأول من القرن التاسع عشر، إلا جيشاً يمثل الشعب المصرى العظيم أعظم تمثيل، ولم يكن أبداً، كما كان فى حقب سابقة، جيشاً من «الإنكشارية الأجانب»، ولا من طبقة مختلفة أو متميزة عن أبناء المصريين العاديين. يتكون الجيش المصرى، من القيادات والضباط وصف الضباط والجنود، من شباب مصرى وطنى تمت تنشئته للدفاع عن مصر ومصالحها. ومن ثم، كان الجيش المصرى فى الثالث من يوليو مكوَّناً من أبناء وأحفاد مَن قاتلوا أو استشهدوا مع إبراهيم باشا فى شبه جزيرة العرب واليونان والشام والأناضول، ومع أحمد عرابى ورفاقه فى كفر الدوار وفى التل الكبير، ومن قاوموا العدوان الثلاثى فى بورسعيد، ومن تحملوا هزيمة يونيو 1967، ومن خاضوا حرب الاستنزاف مع عبدالمنعم رياض ومحمد فوزى وزملائهما، ومن حققوا العبور العظيم مع أحمد إسماعيل والشاذلى والجمسى ومحمد على فهمى وكمال حسن على ومبارك وفؤاد ذكرى وسعد مأمون وأحمد بدوى ورفاقهم. وبينما كان الشعب المصرى وجيشه يتأهبان للحظة الفارقة، كانت الجماعة وأنصارها تهدد بتفجير المنشآت المصرية الحيوية، وهى فكرة شريرة لا أعتقد أنها جالت يوماً ما بخاطر أى مصرى أو مصرية يعتز بانتمائه لمصر. وما كانت أحداث الحرس الجمهورى ورابعة والنهضة وغيرها سوى دليل على عقم تفكير تلك الجماعة، وعلى أنها قد قامت، منذ تأسيسها على يد كبيرهم ومن أتى بعده، على كراهية الوطن المصرى والمواطنين والمواطنات من غير أعضاء الجماعة.
تحية امتنان وتقدير وعرفان لكل مصرى أو مصرية ممن فقدوا أو فقدن الحياة على يد من سوَّلت لهم نفوسهم المريضة قتل أبناء وبنات وطنهم فى عمليات إرهابية خسيسة فى أى بقعة من بقاع مصر الطاهرة. وتحية تقدير وامتنان وعرفان لكل أب وأم، وزوجة وابن وابنة، وأخ وأخت لشهيد من شهداء مصر الأبرار من القوات المسلحة أو من الشرطة أو من المدنيين. تحية تقدير للقوات المسلحة المصرية وقيادتها التى، كما هى العادة، لم تخذل شعبها، وكانت عند حسن ظنه بها، ولم تقصّر فى أداء واجبها. وتحية تقدير للشرطة المصرية التى استعادت عافيتها بعد فترة كئيبة، لتعود كى تؤدى دورها فى الحفاظ على أمن مصر والمصريين. والتحية الأكبر لهذا الشعب العظيم، رجالاً ونساء، شباباً وفتيات، أطفالاً وشيوخاً، فى العزب والكفور والنجوع والقرى والبوادى والمدن الصغرى والمتوسطة والكبرى وفى العاصمة. تحية تقدير وامتنان على هذا الثبات وعلى الإيمان الذى لم يتزعزع، وعلى هذه الثقة فى قدراته وفى قدرات جيشه وشرطته وعلى رباطة جأشه، وعلى يقينه بعودة وجه مصر المشرق الصبوح والابتسامة الصافية على مياه النهر الخالد، وانقشاع السحابة الداكنة من سماء مصر فى مساء الثالث من يوليو عام 2013. هنيئاً لمصر وشعبها وقيادتها، وعاشت مصر حرة، أبية، عزيزة، قوية، قادرة، رغم أنف الحاقدين وغضب الأعداء والكارهين.