بناء الوطن.. بين الصمت والحوار (2)
تناولنا فى الجزء الأول من هذا المقال أهم العوامل الاجتماعية والسياسية التى مهدت لغياب لغة الحوار البناء فى مصر.
وللأسف فإن عوامل وأسباب غياب لغة الحوار لا تزال قائمة، فالانقسامات فى المواقف بين القوى، والأجيال، والشعب، والسلطة لم تعالج بصورة جذرية ولم يتم تناول ومعالجة الأسباب الحقيقية لهذه الانقسامات، فما زال الخلاف حول ثورة يناير أحد الأسباب التى نعانيها فى العلاقة بين الدولة وشبابها، وما زال هناك فريق من رموز 30 يونيو يقف بعيداً بحثاً عن دور وربما مصالح.. وهناك إحساس بأن حشود الماضى استطاعت أن تستعيد مواقعها القديمة، وكانت هناك ملفات حول ثورة يناير لم تُحسَم سواء بالإدانة أو البراءة وظلت سيفاً مسلطاً على رقاب البعض وكان هذا أيضاً من أسباب انسحاب فئات كثيرة غابت معها لغة الحوار.
لا يستطيع أحد أن ينكر دور الإعلام المصرى فى مساندة ثورة يناير وبعدها مواجهة الإخوان والتمهيد لثورة 30 يونيو ورغم نجاح الإعلام المصرى فى هذه الفترة أمام تحديات كثيرة فإنه أخفق كثيراً بعد ذلك فى القيام بدوره فى نشر ثقافة الحوار الراقى البناء والعمل الجاد، وأصبح لا يحمل ولا ينقل شخوصه إلا غثاء السيل فى كل ما يتناولونه أسلوباً، وأهدافاً، فخسر الإعلام المصرى الكثير من جماهيره أمام تناوله السطحى للمشكلات والقضايا المجتمعية والسياسية وما يقدمه من إسفاف وتفاهات وابتذال، فلا فكر ولا وعى ولا تأثير نافع إلا النذر اليسير.
وفى ظل تصارع وتناحر السياسيين وأصحاب المصالح، واستفحال وطغيان كثير من أصحاب رؤوس الأموال، وسطحية وهبوط الإعلام، وجهل متفشٍ بين عامة الشعب بالتاريخ والواقع المحلى والعالمى؛ قد يُعذَر للدولة بكل مؤسساتها أنها باتت -للأسف- غير حريصة على أن تسمع للرأى الآخر حتى ولو كان جاداً ومترفعاً وموضوعياً، فأصبحت لا تريد إلا صوتاً واحداً تسمعه ولا تستجيب لأحد غيره.
هناك قضايا كثيرة تطرحها الصحافة وبعض وسائل الإعلام ولا أحد يرد عليها.. وهناك قضايا أساسية تتعلق بإصلاح المنظومة التعليمية والصحية والقضائية لم تجد استجابة حتى الآن، وهناك الجمعيات الأهلية والخيرية وما تثيره من علامات استفهام حول مصادر تمويلها وجهات صرفها لمواردها، وهناك التجاوزات فى مؤسسات التعليم الخاص والجامعات الأجنبية والمصرية، وهناك وزارات لا تعمل ولا عمل لمن فيها، وهناك ما يجرى حول مستقبل القاهرة العاصمة العريقة أمام انتقال مؤسسات الدولة إلى العاصمة الجديدة فى العام المقبل، وهناك التوسع الشديد فى بيع أراضى الدولة والكثير من الأصول التى لا أحد يعرف مصير أموالها. إن الدولة لا ترد على أىٍ من هذه التساؤلات، وهذا الصمت يغلق كل باب للحوار.
لابد أن يؤمن الجميع بأن الحوار لا يمكن أن يكون من حق طرف واحد وأنه طائر يحلق بجناحين وأنه يوجد للرأى رأى آخر ليس بالضرورة أن يكون معارضاً أو رافضاً ولكنه يمكن أن يضىء الطريق.
إن إعلام الرأى الواحد لا يمكن أن يكون طريقاً لبناء وعى حقيقى بقضايا المجتمع، فمدارس الرأى الواحد انتهى زمانها ولا تصلح أمام السماوات المفتوحة وهذا العالم الجديد الذى لا ينبغى أن تختفى فيه الحقائق وتتشوه فيه الأدوار.. فى مجتمع كل الأشياء فيه تدور على الشاشات لا يمكن أن يكون هناك مكان للرأى الواحد.
إن غياب الحوار يؤكد أن المجتمع لم يعد قادراً على تجديد فكره ووعيه ولغته وأنه دخل فى سرداب طويل من القطيعة والصمت وأن عليه أن يفيق ويستعيد وعيه وعافيته لأن الرأى الآخر ليس خطيئة.
إن الدولة بكل مؤسساتها لا بد أن تتفاعل مع كل رأى حتى لو كان معارضاً أو رافضاً، لأن هذا التفاعل هو الذى يمنح المجتمعات القدرة على مواجهة الأزمات والتحديات مهما كانت حادة وقاسية.
من الصعب تصور وطن لا يسمع صيحات شبابه لأن الغالبية العظمى منهم بمثابة الضمير الحى النقى لوطنهم، وهم أصحاب المستقبل ولابد أن نسمع لهم وأن نعيد لهم الثقة فى أنفسهم ودورهم فى بناء وطنهم بتسليحهم بالعلم النافع والخبرة العملية المثمرة ولن يكون ذلك إلا بالحوار، وهنا تجدر الإشادة بمبادرة السيد الرئيس فى عقد مؤتمرات دورية للشباب -أُوقفت فعالياتها بسبب انتشار فيروس كورونا- والتى كانت بمثابة قناة شرعية بين الدولة وشبابها لسماع الآراء والتحاور فيما بينهم حول القضايا المصيرية للوطن وشبابه، وتكملة لهذا السياق يجب أن يكون هناك ترجمة حقيقية لتوصيات هذه المنتديات على أرض الواقع، وهنا أعود إلى دور النخبة الغائب ومهما كانت أسباب الغياب فلابد أن تسترد عافيتها وتتجاوز مشاعر الفشل والإحباط لأنها قادرة على أن تعيد الحوار إلى كل فئات المجتمع الأخرى. إن لغة الصمت تغرى أحياناً لأنها أكثر أمناً ولكنها تلقى بنا فى متاهات بعيدة قد لا نستطيع فيها أن نصنع حياة أفضل.
مازلت أعتقد أن الشارع المصرى لن يسترد عافيته الفكرية والثقافية والسلوكية إلا إذا عاد محاوراً ومجادلاً.. فلغة الصمت لن تبنى الوطن.. فيجب ألا نفقد القدرة على أن نتحاور كمجتمع له ثوابته التاريخية والفكرية والاجتماعية والإنسانية، ولنبعد الانقسامات التى صرنا إليها، ولنعلم أن غياب الحوار أخطر الأمراض التى أصابتنا، ولنستعيد القدرة على أن نسمع ونتكلم ونتناقش، حتى لا يكون الصمت هو نهاية المطاف.