مجلس الأمن وسد النهضة.. مرة أخرى
فى الحادى عشر من أبريل الماضى كتبت مقالاً فى هذه الصحيفة الغراء كان عنوانه «سد النهضة.. متى يضطلع مجلس الأمن بدوره؟»، أشرت فيه إلى طبيعة تشكيل المجلس، وآلية اتخاذ القرار فيه، ثم انتهيت إلى القول: «إن إثارة هذه التساؤلات تعبر -من وجهة نظرى- عن حالة من الشك فى قدرة المجلس، فى ضوء السوابق التاريخية، على اتخاذ موقف حاسم ينزع به فتيل هذه الأزمة التى قد تؤدى إلى حالة من عدم الاستقرار الشديد فى المنطقة بأسرها».
وختمت ذلك المقال بالقول «غير أن هذا لا يعنى ألا تلجأ الدولتان إلى المجلس كملاذ أخير، فربما خابت الظنون واضطلع المجلس بدوره. ثم هو رسالة أخيرة بأن الدولتين قد سلكتا جميع السُّبل السلمية الممكنة لتسوية النزاع، ولم يبقَ فى قوس الصبر منزع، فلا تثريب عليهما إن لم يكن هناك بُد، من سلوك الطريق الصعب، وليتحمل المجتمع الدولى عواقب نكوصه عن أداء دوره».
وللأسف الشديد، وكما كان التوقع، فقد خيّب المجلس الآمال فى أن يضطلع بدوره حتى الآن، ويمكننا أن نُبدى على جلسة المجلس الأخيرة فى هذا الصدد الملاحظات التالية:
1 - غلّبت بعض الدول الكبرى مصالحها الخاصة، على اعتبارات حفظ السلم والأمن الدوليين، على نحو ما بدا واضحاً فى كلمة كل من روسيا والصين، الأمر الذى حذّر منه السيد سامح شكرى وزير الخارجية المصرى، فى كلمته أمام المجلس، حين قال «فإننا نهيب بأعضاء هذا المجلس الموقرين أن ينظروا فى هذه القضية الحيوية التى نحن بصددها اليوم، ليس من خلال منظور ضيّق يرتبط بمصالحهم الوطنية، ولكن من منظور المسئولية الجماعية للتحرّك بالنيابة عن المجتمع الدولى ككل لحفظ السلم ودعم مبادئ العدالة والإنصاف».
2 - ما زالت إثيوبيا سادرة فى غيها، وما زالت تردّد الأكاذيب حتى فى المحافل العالمية، وليس أدل على ذلك من كلمة وزير الرى الإثيوبى أمام المجلس. فقد ادّعى أن ملف سد النهضة لم يكن ينبغى أن يُناقش فى مجلس الأمن، لأن الأمر فنى بحت متعلق بتوليد الطاقة الكهرومائية، وليس سياسياً ليُعرض على المجلس، وعرضه على المجلس هو بمثابة مضيعة للوقت، مطالباً بعدم عقد أى جلسة جديدة بشأن سد النهضة، متناسياً أن ما تقوم به بلاده يمثل تهديداً شديداً للسلم والأمن الدولى فى المنطقة، وأن صاحب الاختصاص الأصيل فى نظره هو مجلس الأمن. وادّعى كذلك أن خزان سد النهضة أصغر مرتين ونصف من خزان سد أسوان «السد العالى» بمصر، متناسياً أن السد العالى لا يحجز المياه عن الوصول إلى أى دولة أخرى وإنما ينظم تدفّقها الطبيعى داخل مصر. ويضيق المقام والمقال عن ذكر باقى الأكاذيب التى تذخر بها كلمة الوزير الإثيوبى.
3 - أبانت جلسة مجلس الأمن، وما سبقها وما تلاها من اجتماعات، عن تنسيق كامل بين مصر والسودان فى هذا الصدد. وهو أمر لا غنى عنه للحفاظ على مصالح الدولتين وحقوقهما، ولدرء الأخطار الشديدة المحدقة بهما، جراء هذا السلوك الإثيوبى المتعنّت.
4 - تضيق حدود هذا المقال عن تحليل ما ورد فى الكلمة القوية الضافية لوزير الخارجية المصرى أمام المجلس. وسأكتفى لاعتبارات المساحة بمقتطفات منها تحوى من الدلالات ما أود التأكيد عليه: «مصر.. تواجه تهديداً وجودياً، وقد أتت مصر إلى مجلس الأمن العام الماضى.. لتُحذّر المجتمع الدولى من هذا الخطر المحدق الذى يلوح فى الأفق، هذا النهج الإثيوبى وتصرفاتها الأحادية المستمرة تكشف عن تجاهلها -بل وازدراؤها- لقواعد القانون الدولى، وتكشف أهدافها السياسية الحقيقية، التى ترمى إلى أسر نهر النيل والتحكم فيه وتحويله من نهر عابر للحدود جالب للحياة إلى أداة سياسية لممارسة النفوذ السياسى وبسط السيطرة، وهو ما يُهدّد بتقويض السلم والأمن فى المنطقة.. ففى غياب اتفاق ينظم قواعد ملء وتشغيل السد، فإن هذا المشروع قد يؤدى إلى عجز متراكم للمياه بمصر.. وهو الوضع الذى لا يمكن لمصر أن تتحمله، بل لن تقبله أو تتسامح معه.. وإذا تضرّرت حقوق مصر المائية أو تعرّض بقاؤها للخطر فلا يوجد أمام مصر بديل إلا أن تحمى وتصون حقها الأصيل فى الحياة وفق ما تضمنه لها القوانين والأعراف السائدة بين الأمم ومقتضيات البقاء».
إذا كان للبيت رب يحميه، وقد حماه جل شأنه. وإذا كان للنيل رب يجريه، فإن أحداً لا يستطيع وقف جريانه، فله بعد الله جيش وقيادة شعارهما:
وتنساب يا نيل حراً طليقاً
لتحكى ضفافك معنى النضال