اندماج عند قبر الزعيم

يوم الجمعة الماضى، وعند قبر الرئيس الأسبق جمال عبدالناصر، أعلنت أربعة أحزاب ناصرية عن اندماجها فى حزب واحد، بعد سنوات من الانقسامات والانشقاقات، بهدف مواجهة التيار الإسلامى. ولا يخفى أن السياسيين والإعلاميين المنتمين للتيار الناصرى هم أكثر من عارضوا ويعارضون وجود رئيس فى السلطة قادم من جماعة الإخوان المسلمين، وكذلك أعمال مجلس الشعب السابق ومجلس الشورى الحالى والجمعية التأسيسية، وكلما قرأت أو سمعت تعليقاتهم أتعجب وأقول: كأن الإخوان هم الذين سجنوا الناصريين وعذبوهم وقدموهم للمحاكمات العسكرية وأعدموا قادتهم.. وليس العكس؟! لقد جرت محاولات قبل ثورة يناير بسنوات للتقريب بين التيارين الإسلامى والناصرى خاصة بين أجيال الشباب التى لم تعايش فترة القهر الناصرى، وحدث تنسيق فى بعض المواقف السياسية والنقابية، كما جرت محاولات على نطاق أوسع خارج مصر مثل إنشاء المؤتمر القومى الإسلامى فى بيروت، لكن تلك المحاولات لم تثمر شيئاً كثيراً، وعاد الصراع بين المشروعين ليظهر للعلن بعد الثورة، وعلى وجه الخصوص بعد الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة التى أظهرت تقدم د.محمد مرسى مرشح التيار الإسلامى، فيما حل المرشح الناصرى حمدين صباحى ثالثاً. وفى جولة الإعادة تبين أن الناصريين لم يصوّتوا لمرسى. وسواء كانوا قد صوّتوا لمنافسه أحمد شفيق المحسوب على النظام البائد أو أبطلوا أصواتهم، فإن كلا الموقفين يشير إلى أن الناصريين لم يعملوا على نجاح مرشح الإخوان ولو أدى ذلك لنجاح المرشح الذى يعتبر مبارك أستاذه ومعلمه. اندماج الأحزاب الناصرية -الظاهر حتى الآن- يعنى أن تلك الأحزاب وجدت أن نجاح الإسلاميين فى الرئاسة والبرلمان خطر داهم يستوجب تناسى كل الخلافات التى مزقت صفوف الناصريين وقسمتهم طوال سنوات، بل هم على استعداد للتعاون مع كل أشكال اليسار، وحتى مع الليبراليين الذين من المفترض أن يمثلوا الخصم الأول للناصرية. فحمدين صباحى «واثق من أن ائتلاف الجماعات اليسارية الذى يعمل على توحيده سيكون قوياً بما يكفى لهزيمة الإسلاميين والحصول على أغلبية فى البرلمان» (رويترز 30 سبتمبر)، وهو يسعى «لحالة اصطفاف وطنى من أحزاب لديها أهدافنا من العدالة الاجتماعية ولكن ليس بالضرورة أن يكون لديها نفس معتقداتنا أو أيديولوجياتنا، وبهذا سوف نحصل على الأغلبية فى البرلمان». وأكد صباحى أن جبهته قد تضم جماعات ليبرالية وأشخاصاً يتفقون مع برنامجه للعدالة الاجتماعية، ولكن عندما سُئل عما إذا كانت الجبهة مفتوحة أيضاً أمام الإسلاميين كانت الإجابة: لا. (هل يؤمن الليبراليون بالعدالة الاحتماعية أكثر من الإسلاميين؟) من الواضح أن التكتل الناصرى الجديد قد حدد خصمه بوضوح وهو التيار الإسلامى.. لكنه لم يحدد بعد من هم أصدقاؤه. حاشية: فى فبراير 1996 توفى مرشد الإخوان الأسبق السيد محمد حامد أبوالنصر، وكان يرقد قبل ذلك على فراش الموت، فانتخبت مؤسسات الإخوان الشيخ مصطفى مشهور مرشداً للجماعة. وبعد دفن أبى النصر أعلن المستشار المأمون الهضيبى نائب المرشد نبأ انتخاب مشهور. كان ذلك الوقت عصيباً على الإخوان حيث قُدم العشرات من قياداتهم لمحاكم عسكرية، وأغلقت مكاتبهم، وفى محاولة لتشجيع الشباب الذى حضر الجنازة تقدم لاشين أبوشنب (عضو مكتب الإرشاد فيما بعد) وبايع المرشد الجديد، وطلب من الإخوان أن يتقدموا ويبايعوه. كان ذلك مجرد إجراءً رمزياً معنوياً تعبوياً، ومع ذلك فقد ظل الإعلام يتحدث لسنوات طويلة تالية عن «بيعة المقابر».. ترى ماذا يقول الإعلام عن تعمد ذهاب قادة التيار الناصرى لقبر عبدالناصر بعد 42 سنة من وفاته ليعلنوا من هناك خبر اندماجهم فى حزب واحد؟ هل يسميه «اندماج المقابر»؟