26 يوليو.. المعنى والدلالة!

أحمد رفعت

أحمد رفعت

كاتب صحفي

التاريخ يعيد نفسه أحياناً على طريقته.. ولكن صناع التاريخ يكتبون أحياناً أيضاً بين سطوره ما تيسر لهم.. وفى 26 يوليو 1952 انتهت الملكية من مصر تماماً، وانتهى حكم أسرة محمد على إلى الأبد، وأعاد أبناء الجيش العظيم البلد لأهله ليحكمه مصريون أبناء مصريين وإلى الأبد بإذن الله.

وبعد التاريخ السابق بأربع سنوات كاملة يثأر جمال عبدالناصر.. ابن هذا الجيش أيضاً لأجدادنا ممن حفروا قناة السويس ودفنوا فيها من الجوع أحياناً، ومن التعذيب أحياناً عند محاولات هرب من جحيم لا يقدر عليه إلا أولو البأس والعزم.. وماتوا أحياناً من المرض فى ظل إهمال لا مثيل له لتجمع من البشر يفوق مئات الألوف يشق مشروعاً كبيراً بحجم القناة، ولم يتوفر الأطباء فيه إلا للمشرفين الأجانب!

ومنهم من أجدادنا يعنى ممن دفنوا تحت انزلاقات طينية لم يفتش أحد عن كينونة ولا أسماء من ماتوا تحتها أو فيها.. ومنهم من احترق جسده بفعل انفجار أو تسرّب لصهاريج مواد كيماوية.. وراحوا.. بلا دية وبلا تعويض، ولم يتحدث عنهم أحد، ولم يحصل على حقهم أحد إلا «عبدالناصر» عند تأميم قناة السويس وعند إعادة أرضهم لهم، وتوزيعها على فقرائهم بقانون الإصلاح الزراعى!

وبعد أكثر من نصف القرن من التأميم الذى استند فيه «ناصر» إلى إرادة شعبية سبقتها أحلام تاريخية، يطلب عبدالفتاح السيسى ابن الجيش العظيم أيضاً من شعبه منحه التفويض بطريقة تشهد عليها الدنيا، ولا تقبل الطعن ولا التشكيك، وذلك بالاندفاع إلى الشوارع والميادين فى اليوم نفسه من عام 2013 وقد كان.. واستجاب شعبنا الذى أدرك معنى الدعم الشعبى للقائد، وكيف أن ذلك يمنح الشرعية بلا حدود له كى يتصرف ويواجه ويجابه، مستنداً إلى شرعية الناس، ولا تفوقها شرعية!

«عبدالناصر» توقع العدوان بعد التأميم، ولم يكن أحد يتخيل أن مصر التى خرجت للتو من احتلال سبعين عاماً يمكنها أن تصمد أمام قوتين عظميين تحتلان أغلب دول العالم، وتمتلكان من الأساطيل والجيوش والطائرات والمظلات ما يكفى لتدمير قارة بأكملها.. لكن لحظة.. يلجأ «ناصر» إلى الحل السحرى.. إلى الإرادة الشعبية وتنطلق الجماهير إلى بورسعيد فى سباق تحولت قصصه إلى أساطير من أطفال وصبية يريدون حمل السلاح للدفاع عن وطنهم إلى من فضل اقتلاع عينيه البطل محمد مهران عن أن يسب زعيمه فى إذاعات المعتدين، وحمل مئات الألوف من المصريين السلاح.. وواجهوا وصمدوا.. قدموا تضحيات كبيرة وعظيمة حتى انسحب المعتدى، وانتصرت إرادتهم، ثم حققوا كل أهدافهم.. عادت القناة وبنوا السد العالى!

وفى 26 يوليو الجديد.. من 2013 تنطلق الجماهير بوعى كامل بأنه يومها، وأنه دورها، فكانوا بين مسلم ومسيحى.. صائم وغير صائم.. نساء ورجال.. شباب وأطفال.. فقراء وبسطاء وأغنياء.. لم يتخلف منهم أحد.. نظموا أنفسهم دون تنظيم سياسى قادر على إحداث ذلك.. كيف فعلوها وحدهم وبتلقائية لافتة جداً؟ لا أحد يعرف.. افترشوا الشوارع.. جهزوا الإفطار.. جهزوا الأدوية للمرضى.. ومواصلات المغادرة أو العودة لكبار السن والمرضى.. بلا خطأ واحد فى أى ميدان من الميادين!

وكيف ذلك؟ لا أحد يعرف!

«ناصر» رفض كل الحجج لعدم تأميم القناة.. اعتبارات كثيرة للقرار من اعتبار الكرامة للتراجع فى مشروع تمويل السد إلى اعتبار الثأر للآباء والأجداد، إلى اعتبار تمزيق صفحة من تاريخ بلادنا وفتح صفحة جديدة تبنى على استقلال القرار السياسى وإعلاء روح الكرامة الوطنية، وألا يكون على أرضنا إلا ما هو ملكنا وتحت سيادتنا، وكذلك اعتبار مهم، وهو حاجة مصر لبناء نفسها فى خطة تنمية كبيرة وهائلة تحتاج إلى كل قرش يدخل القناة، التى هى ملكنا، وبضاعتنا التى ردت إلينا! وإلا كيف كنا سنبنى السد العالى؟!

و«السيسى» بعد عام تقريباً من هذا النداء الجماهيرى الكبير يقرّر أن قناة السويس الجديدة هى المشروع الأنسب والأفضل لإثبات قدرة المصريين على الفعل وعلى صنع التاريخ من جديد، واعتمد على شعبه فى تمويل المشروع كاملاً بإرادة وطنية خالصة لا أجنبى فيها ولا غيره وينطلق العمل فى القناة الجديدة يسابق الزمن، ليتم ما يستأهل العمل أعواماً فى عام واحد، وتنجح القناة بالفعل فى استيعاب أى ضغط سلباً أو إيجاباً للتجارة العالمية، فتقدم حوافزها لكل من أراد طريقاً آخر بعيداً عنها، وتقدم وقتاً أقل لكل من أعلى قيمة الزمن لعبور سلعه وتجارته!

النتيجة وخلاصة ذلك.. الاعتماد على الشعب أهم وأفضل وأكثر وطنية من الاعتماد على قوى أجنبية تحمى وتحرس. ولا يعتمد على شعبه إلا من يحترم وطنه وبنى وطنه.. ومن أخلص النية لخدمته بغير أى اعتبارات شخصية.. خصوصاً إذا كانت قضاياهم عادلة!

لا يهزم من يستند إلى شعبه.. ويتوكل عليه.. بعد التوكل على الله!