بعض من مآثر «الفلاحة الحلوة»
صباح السبت الماضى تم الإعلان عن وفاة الفنانة الكبيرة دلال عبدالعزيز، ولساعات طويلة بحثت فى جانب كبير مما كتبته الصحف والمواقع عنها، سواء أثناء مشوارها الفنى، أو خلال مرضها وتغطية نبأ رحيلها، لأكتشف خللاً كبيراً ونقصاً فادحاً فى رصد أهم ما يميز هذه الفنانة القديرة عن كل فنانى جيلها، بل والأجيال السابقة واللاحقة.
لقد انصب اهتمام الجميع على الفنانة دلال عبدالعزيز بوصفها زوجة لممثل كوميدى كبير هو الراحل سمير غانم، ثم بوصفها أماً لفنانتين شابتين، ولكن كل الحوارات التى أُجريتْ معها تجاهلت تماماً ولادتها ونشأتها فى قرية صغيرة بمركز ديرب نجم بمحافظة الشرقية، وعلاقة هذه النشأة بتكوينها الإنسانى والفنى، وباستثناء إشارة عابرة فى حوار السيدة إسعاد يونس معها -برنامج «صاحبة السعادة»- عندما وصفتها بأنها «الطيبة الفلاحة الحلوة»، لم أصادف حديثاً معها عن قرية «فرغان» التى ولدت وعاشت فيها حتى حصولها على الثانوية العامة، والتحاقها بكلية الزراعة جامعة الزقازيق.
وفى أزمنة شاع فيها سيطرة غير المتعلمين على الوسط الفنى، بل وصعود الأكثر جهلاً إلى القمة وإلى اقتناص أدوار البطولة المطلقة فى أعمال فنية شديدة الانحطاط، لم ينتبه أحد إلى أن هذه «الفلاحة الحلوة» لم تكتف أبداً بحلاوتها، ولم تستند فقط إلى التأثير الكبير لجمالها، ولكنها واصلت تعليم نفسها بدأب مدهش فى أهم الكليات والجامعات، فحصلت بعد بكالوريوس الزراعة، على بكالوريوس إعلام من جامعة القاهرة، ثم حصلت على ليسانس آداب فى اللغة الإنجليزية من جامعة القاهرة، ثم حصلت على دبلوم فى العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة أيضاً!.
ما كل هذا الشغف بالتعليم المنتظم لدى فتاة وُلدت عام 1960 فى قرية مصرية هى أقرب إلى العزبة أو الكفر منها إلى القرية؟. وأى مناخ طيب كان له الدور الأكبر فى دفعها إلى الانتقال بين الزراعة والإعلام والأدب الإنجليزى والعلوم السياسية، فى الوقت ذاته الذى كانت تتلمس طريق تفتّح موهبتها الفنية فى مجال مختلف عن كل مجالات دراساتها؟!.
لقد فاتنا أن نعرف منها قبل مرضها وقبل رحيلها بعض إجابات هذه الأسئلة شديدة الأهمية.. ولكننى أستطيع أن أقدم بعض الإجابات مستنداً إلى خبرة مشتركة، حيث كنت فى بداية ثمانينات القرن الماضى طالباً بآداب الزقازيق، فى الوقت نفسه الذى كانت فيه الراحلة القديرة دلال عبدالعزيز طالبة فى زراعة الزقازيق، والمؤكد أن ما عشته بنفسى فى هذه الجامعة إبان حقبة الثمانينات، من أنشطة ثقافية وفنية وإبداعية، كان له دور كبير فى خلق كل هذا الشغف بالمعرفة عموماً وبالفنون خصوصاً.
لقد كانت جامعة الزقازيق آنذاك فى أوج نشاطها المعرفى والثقافى والفنى، خصوصاً أنها نشأت كفرع لجامعة عين شمس عام 1969، وفى عام 1974 صدر قرار اعتمادها كجامعة مستقلة، ومع بدء الدراسة فى العام الجامعى 75/1976، كانت الزقازيق تضم كليات الزراعة والتجارة والطب البيطرى والطب البشرى والتربية والعلوم والآداب والصيدلة، وعندما التحقنا بها فى أوائل الثمانينات كانت قد تحولت إلى منارة ثقافية وعلمية مذهلة، وكان القائمون عليها آنذاك قد نجحوا فى انتداب عشرات العلماء والمفكرين والأساتذة الكبار من أعرق جامعات مصر لتعليم وتثقيف أبناء الفلاحين القادمين من قلب غيطان الدلتا، ومن قراها وكفورها وعزبها شديدة الفقر، وأُتيح لنا آنذاك أن نتعلم -فى آداب الزقازيق مثلاً- على أيدى قامات سامقة، مثل الطاهر أحمد مكى، فى الأدب المقارن والحضارة الأندلسية، وأحمد إبراهيم الهوارى، فى النقد الأدبى، والعلامة محمود ذهنى، فى الأدب الشعبى وتذوق الفنون، وعبدالحميد القط، فى الدراسات الأدبية، والمؤكد أن الكليات العلمية، مثل الزراعة والعلوم والطب والصيدلة، قد اجتذبت آنذاك أساتذة كباراً، كانوا يتميزون بحب الفنون، إلى جانب تفوقهم فى تخصصاتهم الأساسية.
فى هذا المناخ التعليمى المفرح، لم يكن يمر أسبوع واحد دون مهرجان ثقافى أو ندوة ثقافية أو سهرة موسيقية، وكان مسرح الجامعة مثل منارة تجتذب هواة التمثيل والغناء والموسيقى، وترعاهم بالتدريب المتواصل، وتسمح لهم بتقديم نصوص تتوهج بالرفض والمعارضة والنقاش العاصف للشأن السياسى دون خوف من بطش أو مصادرة، واللافت أن الجماعات المتأسلمة كانت موجودة فى قلب هذا المناخ، وبذلت محاولات مستميتة لإطفاء هذه المنارات، وطاردت الطلبة والطالبات حتى وصلت لأسرهم، وهددت كثيرين بالويل والعذاب فى الدنيا والآخرة، ولكنها لم تتمكن أبداً من فرض سيطرتها المريضة على مناخ الجامعة، إلا عندما سمحت لها الأجهزة الأمنية بالتمدد والسيطرة، لأسباب لم تعد مجهولة لأحد.
إن هذا المناخ الجامعى هو الذى صنع من فتاة ريفية، كانت مجرد فلاحة حلوة، ممثلة قديرة وفنانة كبيرة ملأت حياتنا بهجة ونوراً، وهذا المناخ الجامعى الذى يرعى المواهب الصغيرة حتى تتفتح وتنضج هو الذى يُسلّح خريجى الجامعات بالوعى والتسامح وقبول الآخر، بدلاً من تسليحهم بالسنج والمولوتوف والبنادق والكراهية.
وإذا كانت مواقع الصحف تتحفنا بين وقت وآخر بتقارير وفيديوهات عن نجوم الفن الذين لم يكملوا تعليمهم، ولم يحصلوا على أى شهادات، ومع ذلك وصلوا إلى قمة النجومية بجهلهم، ويتقاضون عشرات الملايين فى العمل الواحد، ويمتلكون القصور والسيارات الفارهة، فإن الراحلة الجميلة دلال عبدالعزيز تمثل، وسط هذا الخراب، أيقونة محترمة للشغف بالعلم والتعلم، ودليلاً دامغاً على أن التعليم والمناخ الجامعى المنفتح على الإبداع والفنون هو العاصم من هذه السفالات التى دمرت إنتاجنا الفنى، وهو الطريق الوحيد الذى يمنحنا نجوماً يملكون وعياً يؤهلهم لتقديم أعمال راقية، بدلاً من مهرجانات استعراض مفاتن فتيات لم يحصلن على أى قدر من التعليم، وليس بوسع أى فتاة منهن أن تدرك أن العمل بالفن يختلف تماماً عن استعراض المفاتن فى سوق المتعة!
رحم الله الفنانة الكبيرة دلال عبدالعزيز، التى منحتها فطرتها الطيبة وتعليمها المتواصل وقلبها الفلاح إدراكاً ووعياً وجمالاً، يصعب تعويضه فى هذ المناخ المقبض الذى اختطفه الجهلاء وتحول بين أيديهم إلى صحراء قاحلة من أدنى شروط الفن أو الإبداع.