المهدي المنتظر

فى أغلب الأحوال يأتى كلام يوتيوبرز «آخر الزمان» عن علامات الساعة ووقوع أحداث معينة وظهور شخصيات محددة تحدثت عنها كتب الملاحم والفتن كتمهيد لتناول مسألة «ظهور المهدى». فكل ما يحدث وكل ما يظهر هو تهيئة لظهور المهدى المنتظر الذى اقترب زمانه كما يذهب أغلبهم.

يستند المتكلمون فى هذا الموضوع إلى عدد من الأحاديث النبوية التى تتحدث عن «المهدى» الذى يتماثل اسمه مع اسم النبى، صلى الله عليه وسلم، (محمد أو أحمد)، واسم أبيه مع عبدالله، والد النبى، ويخرج «المهدى» فى آخر الزمان ليملأ الأرض عدلاً وقسطاً بعد أن مُلئت جوراً وظلماً.

يخلو أشهر كتابين للحديث، وهما صحيح البخارى وصحيح مسلم -فى حدود علمى- من أية إشارات صريحة إلى «المهدى»، يمكنك أن تجد أحاديث «المهدى» فى كتاب مثل «الفتن والملاحم»، لـ«ابن الطاووس»، وكتاب «النهاية فى الفتن والملاحم»، لـ«ابن كثير»، من بينها هذا الحديث الذى ينقله «ابن كثير» عن أبى داود (فى سننه)، ويقول فيه النبى: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطوَّل الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلاً منى أو من أهل بيتى يواطئ اسمه اسمى واسم أبيه اسم أبى يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن مُلئت ظلماً وجوراً».

وليس هناك شك فى أن خلو الصحيحين (البخارى ومسلم) من سرد أحاديث صريحة قاطعة عن «المهدى» أمر لا يخلو من دلالة، ودعك من محاولات البعض لى عنق بعض الأحاديث التى لم يرد فيها وصف «المهدى» صراحة فى الصحيحين وتأويلها على أنها تتحدث عنه. فالواضح أن الإمامين كانا مشغولين بمراجعة ما أدرجاه من أحاديث فى كتابيهما، معتمدين على قواعد ومعايير صارمة أدت إلى استبعاد مثل هذه الأحاديث.

واللافت أن النصوص التى تناولت موضوع «المهدى» فى باقى كتب الحديث تقدم لنا شخصية ذات دور سياسى أكثر من كونها شخصية جاءت لتصحح عقيدة اعتورها الانحراف. فـ«المهدى» والٍ أو خليفة أو سلطان جاء ليملأ الأرض عدلاً بعد أن مُلئت جوراً، يعنى هو رجل ذو وظيفة سياسية فى الأساس، لأن دين الله تم واكتمل، وليس بعد «محمد» أنبياء.

والمتأمل لكتاب الله الكريم يجد العديد من الأدلة التى تدعو إلى التحفظ على موضوع «المهدى». فمفردة «المهدى» هى اسم مفعول مشتق من «هدى»، وقد طرق القرآن الكريم موضوع الهدى، وربطه بالمولى عز وجل: «قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى»، وصرح القرآن عبر أكثر من آية أن أنبياء الله، بما فيهم محمد، ليس فى مقدروهم هداية من أضله الله: «مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً»، كما ليس فى مكنتهم هداية من أحبوا: «إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ».

ولفظ المهدى -إن لم تخنى ذاكرتى- لم يرد فى القرآن الكريم، وإنما الذى ورد لفط الـ«هاد»، وذلك فى قوله تعالى: «إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ»، ويذهب المفسرون إلى أن المقصود بلفظ «هاد» فى الآية الكريمة هو النبى، فمحمد هو المنذر وهو الهادى، وذهب آخرون إلى أن المقصود بالهادى شخص يخرج من كل قوم يدعوهم إلى الحق. يعنى القرآن الكريم لم يتحدث عن مهدى بل عن هادٍ، والهادى يدعو مثلما دعا الأنبياء والرسل، وتظل الهداية من الله.

فإذا كان الحديث عن «المهدى» لم يرد فى القرآن الكريم، ولم يرد فى صحيحى البخارى ومسلم.. أليس من المنطقى أن نتحفظ على هذا الموضوع برمته؟.