لا اقتصاد ولا حكومة ولا كهرباء ولا وقود ولا دواء.. كيف يعيش اللبنانيون؟
لا اقتصاد ولا حكومة ولا كهرباء ولا وقود ولا دواء.. كيف يعيش اللبنانيون؟
- لبنان
- أزمة الوقود فى لبنان
- الرئيس اللبنانى
- احتجاجات لبنان
- لبنان
- أزمة الوقود فى لبنان
- الرئيس اللبنانى
- احتجاجات لبنان
في السابع عشر من أكتوبر عام 2019، انطلقت شرارة الاحتجاجات في لبنان بالتزامن مع مناقشة قرارات حكومية تهدف إلى فرض ضريبة على المكالمات الصوتية عبر تطبيقات «واتساب» و«فيستايم» و«فيس بوك»، وذلك ضمن عدد من مشروعات القرارات الأخرى التي تهدف إلى زيادة الإيرادات الضريبية لميزانية الحكومة في عامها المالي الجديد الذي يبدأ في يناير 2020.
لم تكن ضريبة «واتساب» وحدها هي السبب في الاحتجاجات، ولكنها كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، فخرجت أعداد غفيرة من اللبنانيين في مختلف أنحاء البلاد يطالبون بمكافحة الفساد ومواجهة البطالة وتردي الأوضاع المعيشية والغلاء ومطالب أخرى عديدة ارتفع سقفها بمرور الوقت.
ذلك الوقت الذي كان فيه لبنان قبلة البهجة والحياة المشرقة في الشرق الأوسط، وبيروت هي باريس الشرق، والمعيشة فيها من بين الأغلى في العالم، وعملتها مستقرة عند 1500 ليرة للدولار منذ قرابة 27 عاما.
لم يختلف القاصي والداني على أهداف المحتجين، وبدأت خطوات إصلاحية تتحقق على أرض الواقع، ولكن سيظل هذا اليوم فارقًا في تاريخ لبنان، إذ اختلفت الحياة تماما قبل هذا اليوم عن الحياة بعده، حيث كشف عن اقتصاد هش وسط تركيبة سياسية معقدة مبنية جميعها كأوراق الدومينو التي إذا سقطت واحدة، تهاوت الأوراق جميعها واحدة تلو الأخرى.
ولم يتوقف الأمر عند هذا فحسب، وإنما جاءت جائحة كورونا لتفاقم الأزمات وتعقد الحلول، حتى كانت الضربة الكبرى بانفجار ميناء بيروت البحري الذي عمّق الجراح وترك البلاد تنزف حتى اليوم، وتغرق في مستنقع من المعضلات.
المعضلة الأولى.. تدهور الاقتصاد وانهيار العملة المحلية
في مطلع تسعينيات القرن الماضي، وبعد اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية في لبنان، تم تثبيت سعر صرف العملة اللبنانية أمام الدولار الأمريكي ليكون 1500 ليرة تقريبا للدولار.
ومنذ ذلك الحين، تفننت الحكومات المتتالية في الحفاظ على ثبات سعر الصرف أمام الدولار مهما كان الثمن، واستمر العمل بذلك لمدة 27 عاما حتى أكتوبر عام 2019، حيث بدأت سوقا سوداء للمضاربة في العملة مع حالة الاغلاق شبه التام التي سيطرت على البلاد بعد الاحتجاجات وخصوصا مع قرار البنوك بالإغلاق في ذلك التوقيت ومنع صرف أي ودائع بالدولار الأمريكي حتى لأصحاب الحسابات البنكية.
وباتت دولارات اللبنانيين حبيسة في البنوك حتى صدر تعميم يقضي بالإفراج المشروط عن جزء منها مطلع شهر يوليو الماضي.
ولم يكن منع اللبنانيين من التصرف في أموالهم الدولارية بالبنوك سوى مشهد واحد من انهيار اقتصادي شبه تام صنفه البنك الدولي كواحد من أسوأ 3 أزمات اقتصادية في العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر الميلادي.
ورغم أن الدولار في البنك رسميا لا يزال يساوي 1500 ليرة، إلا أن سعر الصرف في السوق وصل إلى 21 ألف ليرة وهو ما يقارب 14 ضعفا من السعر الرسمي.
وفي محاولة لتخفيف الضغط على مصرف لبنان المركزي الذي يضطر إلى تمويل فارق سعر الصرف من الاحتياطي النقدي الذي نفذ تقريبا، أنشأت الدولة سوقا رسمية لبيع الدولار وصل متوسط السعر فيه إلى 16500 ليرة للدولار، وذلك بخلاف سعر صرف جديد ابتكرته الدولة وقيمته 3900 ليرة للدولار لفئة من المتعاملين منع البنوك.
وبالتالي أصبحت المدارس والجامعات وشركات الاتصالات العامة والخاصة وجميع الخدمات التي تقدمها الدولة تسير على سعر الصرف الرسمي الثابت منذ قرابة 30 عاما، أما أصحاب الودائع فيتعاملون بسعر صرف خاص، بينما تقدر الأسعار لدى التجار بسعر السوق الذي يتراوح ما بين 18 ألف و 21 الف ليرة وفقا لبورصة السياسة والاستقرار! وهذا أدى الى ارتفاع غير مسبوق في أسعار جميع السلع والخدمات التي لا تقدمها الدولة، بل رفعت الدولة أيضا يدها عن دعم سلع أساسية بالنسبة للبنانيين.
المعضلة الثانية.. لا حكومة بل آمال وتصريف أعمال
استجابت القوى السياسية لمطالب الاحتجاجات وتقدمت حكومة سعد الحريري باستقالتها بعد أيام من اندلاع المظاهرات.
وبعد استيفاء الإجراءات الدستورية، وقع الاختيار على الدكتور حسان دياب لتشكيل حكومة من الخبراء التكنوقراط غير الحزبيين ولكن بترشيحات حزبية.
وتحت ضغوط الشارع، أنجز الفرقاء السياسيون تشكيل الحكومة التي نالت الثقة في يناير 2020 وبدأت عملها وسط ضغوط شعبية للمطالبة بإصلاحات اقتصادية والسيطرة على انفلات سعر صرف الدولار في السوق السوداء - الذي كان آنذاك قرابة ضعف السوق الرسمي - والسيطرة على الأسعار.
وبعد أقل من شهرين، ظهر وباء كورونا في لبنان، واتخذت البلاد إجراءات ضرورية فاقمت الأزمة الاقتصادية. إلا أن الكارثة الكبرى كانت بعد أقل من 8 أشهر على عمل الحكومة، حيث انفجر عنبر «نيترات الأمونيوم» بميناء بيروت البحري في الرابع من أغسطس من العام ذاته ليحول العاصمة بيروت إلى مدينة منكوبة ويعصف بالحكومة ويجبرها على تقديم استقالتها في العاشر من أغسطس عام 2020.
واستمرت الحكومة في تصريف الأعمال لحين تشكيل حكومة جديدة، وهو ما لم يحدث حتى الآن رغم مرور أكثر من عام وايام، وذلك إطلاق الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون لمبادرة تنقذ البلاد من شبح الإفلاس وتعيد الحياة إلى لبنان.
ورغم تكليف سفير لبنان في ألمانيا مصطفى أديب بتشكيل الحكومة في أواخر أغسطس العام الماضي، إلا أنه اعتذر بعد قرابة 27 يوميا لاصطدامه بخلافات الفرقاء السياسيين الذين وافقوا في العلن على المبادرة الفرنسية بتشكيل حكومة اختصاصيين بعيدا عن المحاصصة ودون حصول فريق على الثلث المعطل ولكن لم يعلن أحد رسميا ما حدث في الخفاء.
ثم تم تكليف سعد الحريري بتشكيل الحكومة الجديدة بعد استيفاء الإجراءات الدستورية، إلا أن اصطدم برئيس الجمهورية ميشال عون وفريقه السياسي التيار الوطني الحر بقيادة صهر النائب جبران باسيل زوج ابنة رئيس الجمهورية.
وبعد محاولات ومبادرات لتقريب وجهات النظر بين الطرفين، تقدم الحريري باعتذاره عن تكليفه بتشكيل الحكومة بعد 9 أشهر من المحاولات التي باءت بالفشل! وكان الاعتذار سببا في انهيار غير مسبوق للعملة المحلية أمام الدولار.
وفي 26 يوليو الماضي، وقع الاختيار على رئيس الوزراء الأسبق نجيب ميقاتي لتكليفه بالتشكيل الذي فيما يبدو حتى الآن أنه بعيد رغم الآمال العريضة والضغط الشديد من المجتمع الدولي تجاه تشكيل حكومة تنقذ البلاد من أزماتها، حيث تشترط المؤسسات الدولية وجود حكومة كاملة الصلاحيات للتفاوض معها وإقرار خطط إنقاذية.
أما حكومة حسان دياب فهي صاحبة رقم قياسي كأطول حكومة تصريف أعمال في تاريخ لبنان، وهي حكومة يقتصر دورها على مهام محددة وليس من حقها مجرد الاجتماع كمجلس وزراء!
المعضلة الثالثة.. لا كهرباء منذ ثمانينيات القرن الماضي
تعاني لبنان من نقص في الكهرباء، وعادة ما تكون الحملات الانتخابية وتصريحات الحكومات عند تشكيلها قائمة على وعود بتوفير كهرباء 24/24 وهي وعود لم تتحقق على مدار ما يقرب من 40 عاما على الأقل.
ولذلك، في كل بناية في لبنان إما أن تكون لديها مولداتها الخاصة التي تعمل بالمازوت أو أن تكون كل وحدة سكنية أو تجارية أو لأي نشاط آخر لديها وصلة كهرباء من مولدات تجارية يمتلكها شخص ويقوم ببيع الكهرباء للمواطنين باشتراك شهري لتعويض النقص في إمدادات الشبكة الحكومية للكهرباء، والذي يتراوح بين ساعتين إلى 8 ساعات يوميا حسب المنطقة وقدرات الشبكة في ذلك اليوم.
وهناك كيان يعرف باسم تجمع أصحاب المولدات الذي يبحث مصالح مقدمة هذه الخدمة، بل وتصدر جهات حكومية تسعيرة شهرية عادة ما تكون استرشادية للكهرباء من المولدات الخاصة.
ولكن مع تدهور الأوضاع الاقتصادية ونقص السيولة الدولارية وعوامل أخرى، تراجعت ساعات التغذية الكهربائية إلى أدنى مستوى لها لتصل في بعض الأحيان إلى ساعتين فقط يوميا وفي بعض المناطق يمر اليوم بلا تغذية كهربائية.
ويكون الاعتماد فقط على وصلات المولدات التي ارتفعت أسعارها بشكل كبير لدرجة يعجز قطاع كبير من اللبنانيين على الوفاء به.
ومع استمرار انقطاع الكهرباء عبر التغذية الحكومية، أصبحت المولدات هي الحل الوحيد لتوفير الكهرباء، إلا أن أغلب المولدات باتت عاجزة عن تعويض النقص في الكهرباء نظرا لطول ساعات العمل المتواصل، ولنقص الوقود، ممكن أجبر أصحاب المولدات على "التقنين" أي تحديد ساعات عمل محددة على مدار اليوم لتفويت الفرصة على أي مواطن يأمل في الهروب من الظلام.
ومع تفاقم أزمة الوقود، أصبحت الكهرباء الحكومية أو الخاصة لا تلبي إلا جزء بسيط من اليوم تتفاوت ساعاته من منطقة إلى أخرى.
المعضلة الرابعة.. لا وقود
يعتمد لبنان على استيراد الوقود من الخارج، إذ تستورد البلاد ما يزيد عن 350 سفينة وقود تقريبا ما بين بنزين ومازوت وغاز منزلي كل عام لتلبية احتياجات السوق. وظل الاستيراد لفترة كبيرة على سعر الصرف الرسمي المقدر بـ 1500 ليرة لكل دولار على أن يدعم مصرف لبنان المركزي فارق سعر الصرف بين السعر الرسمي وسعر السوق إلى أن انهارت احتياطات البلاد من النقد الأجنبي وسط حديث متكرر عن تهريب الوقود المدعوم خارج الأراضي اللبنانية.
ومع طول فترة تصريف الأعمال، وغياب رؤية محددة للخروج بالبلاد من الأزمة، توقف المصرف عن فتح اعتمادات للوقود إلى أن توصل إلى تسوية مع الحكومة في أواخر يونيو الماضي لاعتماد سعر صرف الدولار على سعر 3900 لمدة 3 أشهر لإمداد البلاد بالوقود الكافي للموسم السياحي الصيفي الذي بدا واعدا، إلا أن الدعم المخصص تم استنزافه في شهر واحد ليتوقف المصرف مرة أخرى عن فتح الاعتمادات حتى قرر في الحادي عشر من الشهر الجاري وقف الدعم نهائيا على الوقود لتتوقف البواخر عن تفريغ حمولاتها وتصل أزمة نقص الوقود إلى مستوى غير مسبوق وسط اقفال لأغلب محطات الوقود وتوقف لأغلب المولدات، فيما نشطت السوق السوداء ووصل سعر لتر الوقود إلى أكثر من 10 أضعاف سعره الرسمي.
ومؤخرا، توصلت حكومة تصريف الأعمال إلى تسوية مؤقته لاستيراد الوقود على سعر 8000 ليرة للدولار فيما يقدر السعر في السوق بـ18 ألف ليرة.
المعضلة الخامسة.. لا دواء
اعتادت الحكومة اللبنانية على دعم الدواء سواء في سعر صرف الدولار في عمليات الاستيراد أو في الأسعار ذاتها وخصوصا لأصحاب الأمراض السرطانية والخطيرة والمزمنة.
إلا أن الأزمة الاقتصادية دفعت إلى عجز المصرف المركزي عن استمرار دعم سعر الصرف مما أوقف فتح اعتمادات للأدوية المستوردة والبان الأطفال والمستلزمات الطبية، فيما تعاني مصانع الأدوية من أزمات تشغيلية متأثرة بالأوضاع الاقتصادية التي تمر بها البلاد.
وأدت الأزمة المالية إلى فتح الاعتمادات المالية لاستيراد الأدوية وفقا لسعر الصرف في السوق وهو ما ضاعف أسعار الأدوية التي لا تزال مفقودة حتى اليوم.
أزمات معيشية طاحنة يواجهها المواطن اللبناني في مختلف القطاعات، وباتت الأسعار خارج السيطرة والسلع ليست في متناول الجميع، ليبقى السؤال الأهم بلا إجابة، وهو كيف يعيش اللبنانيون؟