ربيع الاقتصاد العربى.. متى يُزهر؟

من مخاضات التاريخ الكبرى -والثورات ليست استثناءً- وُلدت أعظم الأفكار الاقتصادية وأبقاها، لأنها اجترحت من آلام الشعوب، ورُويت بأشواقها فى الحرية والخبز والعدالة. وبعض النظريات الاقتصادية الكبرى كانت شعارات وهتافات صرخت بها حناجر الفقراء والثوار والبرجوازيات الصغيرة حول أسوار الباستيل وفى ميادين لندن وشيكاغو وبرلين وبطرسبرج. وبعضها سُبكت نصوصها تحت جنازير الدبابات وسنابك الخيل فى الحروب الأهلية الكبرى وفى الحربين العالميتين العظميين وفى حروب أوروبا الطويلة والمريرة وفى الفتوحات الاستعمارية التى غطت القرن التاسع عشر وشطراً من القرن العشرين. ونحن لا نطمح إلى نظرية جديدة تفسر لنا ما جرى فى الرقعة العربية التى اشتعلت بالثورة الشعبية، فما حدث فى تونس وليبيا واليمن ومصر منذ يناير 2011، لم يكن بحاجة إلى نظرية تتعقّب جذوره وأصوله وأسبابه، فنحن لا ننفك نُعدد أسبابه سبباً سبباً وأن نظل نحتفظ كاقتصاديين بأولوية الاقتصاد من هذه الأسباب على ما عداها، سياسية كانت أو اجتماعية أو ثقافية، لكن ما يعنينا أكثر من غيره، أمران أولهما القاسم الاقتصادى المشترك الأعظم بين أغلب ثورات شعوبنا فى أقطارها الثائرة ضد نظم حكمها المستبدة غير الرشيدة. وثانيهما إذا كان ليس بمقدورنا الآن على الأقل أن ننحت نظرية جديدة لتفسير ما جرى ونترك ذلك لكل ذى اجتهاد، فإننا بحاجة إلى إبداع حزمة من الأفكار الجديدة نقرأ على ضوئها واقعنا الجديد المضطرب، وهو فى طور التشكيل والتكوين ونتلمس فى ضبابية الفوضى وغموضها شارات أمل يمكن الإمساك بها والأهم أن نتنبأ على هديها بالسيناريوهات البديلة التى لن يخلو واحد منها من صور مرغوبة اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً. إن الثورة فعل مستقبلى يتشكل فى رحمها التاريخ وينضج المجتمع وتولد فى ظلها وفى أعقابها أنماط وعلاقات وأطر جديدة من شأنها توسيع حرية الاختيار أمام الإنسان العربى لا يقيدها الاستبداد ولا تضيق بالاجتهاد ولا تنغلق على رأى أو نظام أو فكرة. لقد نجحت مدرسة فيورباخ فى ألمانيا غداة خسارتها الحرب العالمية الثانية فى إبداع «فكرة اقتصاد السوق الاجتماعية» لتنجو من معضلة التناقض بين صرامة قوانين السوق التى لم يكن بمقدور شعب أنهكته حرب طويلة أن يتحمّلها وبيروقراطية التخطيط المركزى، الأمر الذى يهدد المبادرات الحرة. وأمر قريب فعله بعد ذلك بسنوات الرئيس اليوغسلافى جوزيف بروزتيتو فى تمرد لم يغفر له عندما شق عصا الطاعة واعتنق -استثناءً من البديل الاشتراكى- مبدأ التسيير الذاتى لاقتصاد الدولة فى يوغسلافيا قبل أن ينفرط عقدها. وفعلته مؤخراً تجارب كبيرة بعضها يسابق الزمن نحو قمة الهرم الاقتصادى العالمى كالصين وفيتنام وبورما والبرازيل وجدت أن التحليق بجناح واحد يعرّضها لسقوط محتم فاختارت صيغاً مجددة لاقتصاد السوق الاشتراكية. لقد كان القاسم المشترك الأعظم فى معظم تجارب النمو العربية، خصوصاً فى تونس ومصر، هو اعتناقها مبادئ النمو المنفلت بغير قيود اجتماعية وكان إنجازها الذى تغنّت به عبر السنوات العشر التى سبقت ثوراتها الشعبية هو أنها راكمت لسنوات معدل نمو سنوى لا يقل عن 7 بالمائة فى المتوسط، وهو معدل كبير قد يعادل ثلاثة أضعاف أو يزيد معدل النمو السكانى (حوالى 2.1 بالمائة) لكنه نمو ردىء خلف بطالة واسعة لا تقل عن 18 بالمائة وفقراً مدقعاً لا يقل عن 50 بالمائة وأريافاً معدمة وعشوائيات تحتضن بالبأس والفاقة ربع سكان مصر، مسكونة بالثورة التى قذفت رياح السموم على «الجيوب والكومبوندات» الغنية المترفة التى تحتمى بها «السلطة والثروة» فى زواجهما الحرام. يصدق ذلك كثيراً على مصر وتونس. وقد كان المقصد الأكبر للملايين الثائرة فى ميدان التحرير وحى الأربعين وسيدى بوزيد وشارع بورقيبة هو العدل الاجتماعى وإعادة اقتسام الثروة وتوزيع الدخل القومى بصيغة أكثر عدلاً واستحقاقاً. والمشهد يبدو مأساوياً ففى حالة مصر حصل أغنى 20 بالمائة من السكان على ما يقرب من 40 بالمائة من الدخل فى 2011، ولم يحصل أفقر 20 بالمائة على أكثر من 9 بالمائة. وتزداد درجة اللامساواة فى الحضر عنها فى الريف، حيث حصل أغنى 10 بالمائة من سكان الحضر على 8.5 بالمائة، مثلما حصل عليه أفقر 10 بالمائة فى حين لم يزد الرقم المناظر فى الريف على 4.5 مثل. وتراجع نصيب الأجور فى الدخل الإجمالى من 40 بالمائة فى عام 1975 إلى 26 بالمائة فى عام 2005. ناهيك عن مظاهر صارخة للبؤس والجريمة، منها انتشار عمالة الأطفال التى تشمل 10 بالمائة من الأطفال الأقل من 18 عاماً تعمل نسبة غالبة منهم لساعات طويلة فى بيئة عمل غير آدمية تغتال أحلامهم وتؤخر نموهم العقلى والجسدى وتقزمهم. هؤلاء هم المحظوظون أما غير المحظوظين فهم أطفال الشوارع الذين يهيمون على وجوههم بلا مأوى تتلقفهم شبكات التسول والدعارة وتجارة المخدرات تواضعت «اليونيسيف» فنزلت بأعدادهم إلى 800 ألف طفل وتجاوز عددهم طبقاً لمصادر وطنية مليون طفل. ثوراتنا العربية وهى ترفض نمواً يسحق تحت عجلاته السريعة أشواق الفقراء، أصبح عليها أن ترد الاعتبار إلى مبادئ العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، ومن دون أن تتجاهل الإخفاق الديمقراطى والاستبداد السياسى وانتهاك حقوق الإنسان وتهميش مناطق وأقاليم وأجيال. وتلكم هى العناصر والأفكار الأولية التى يمكن أن يتخلق حولها ويزدهر ربيع الاقتصاد العربى وإلا كان ربيعاً حصاده الشوك ووروده الحنظل. بالطبع فإن العيدان الخضراء للربيع العربى تبدو فى مهب بيئة إقليمية وعالمية غير مواتية، فالحطام الذى تركته أنظمة فاسدة مستبدة من ناحية وتراجع أنشطة مهمة وأساسية كالسياحة والصناعة والتصدير وتدفقات رؤوس الأموال الخارجية وتوقف الإنتاج والمصانع وإخفاقات السوق والخسائر التى لازمت اضطرابات ما بعد السقوط السريع لأنظمة الحكم الجائر، والتى تربو فى أضعف تقديراتها عن 200 مليار دولار، ناهيك عن بيئة دولية تترنح بين أزمة عالمية مستحكمة ما زالت تترى وينداح تأثيرها وضعف منطقة اليورو وتعدد الالتزامات الدولية وتعقدها وتوتر البيئة الاستراتيجية الإقليمية وتمزقها. بيئة لا تترك أمامنا إلا خياراً وحيداً، وهو استعادة زمام المبادرة الوطنية وتعبئة الطاقات الكامنة وحفز الإرادة وتحريك دواليب العمل المتوقفة. ولنقتفِ أثر أمم فقيرة تحركت من قاع مدخرات سالبة إلى تسلق القمم الشاهقة للنمو والتراكم. بإمكاننا أن نتحرّك ذاتياً على مسارات نمو سريعة وتحركنا وحده هو القادر على تحريك المساندة الإقليمية والدولية التى لا تمد أطواق النجاة إلى المقعدين المستسلمين لمصيرهم. وقد أضاف المصريون مؤخراً خبرة غنية لتجارب بناء التنمية المستقلة عندما بدأوا من مستويات ادخار متواضعة وظروف اقتصادية صعبة بالاكتتاب الواسع فى شهادات مشروع قناة السويس الجديدة قدم معظمها مدخرون صغار بعضهم من الفقراء وبعضهم الآخر من الطبقة الوسطى التى تدير بالكاد حاجات أبنائها اليومية.