نظرة العقل الشعبى إلى التراث

تتراوح نظرة العقل الدينى الشعبى إلى التراث ما بين المرونة والتشدد.

فهو يبدو مرناً فى حالة التعارض بين تعاليم الدين وشبكة المصالح الفردية أو العائلية، حيث يرجح العرف على الدين فى مثل هذه الأحوال، كما شرحت لك بالأمس.

كما يبدى العقل الشعبى نوعاً من التحفظ على بعض المحكيات التراثية، بسبب عدم عقلانيتها، أو منافاتها لتعاليم الدين، فهو يتحفظ على بعض الأمور غير العقلانية التى أحياناً ما يتورط فيها الخطاب الدينى المعاصر، مثل الإفراط فى الحديث عن تأثير الجن والحسد والسحر على أحوال الحياة. ويتحفظ أيضاً على بعض الممارسات اللاعقلانية التى تقترن بالاحتفال بموالد الأولياء ويرى أنها منافية لصحيح الدين.

فى المقابل يبدى العقل الدينى الشعبى تشدداً تجاه الإفراط فى استخدام العقل فى المسائل الدينية، لأن هناك غيبياً فى الدين ينبغى الالتفات إليه.

ويتبنى العقل الشعبى رؤية تكاملية عند النظر إلى العلاقة بين القرآن والسنة، فالسنة توضح أموراً لم يوضحها القرآن، كما تؤكد بعض المعانى والأحكام التى يشتمل عليها القرآن. واللافت أن بعض الأفراد العاديين يتشددون أكثر من غيرهم فى هذا السياق فيذهبون إلى أن السنة -مثل القرآن- وحى من عند الله تم التعبير عنه فى صورة أقوال أو أفعال النبى.

ونتيجة هذا التشدد تتجلى فى وجود قناعة لدى قطاع من العقل الشعبى -وليس كله- يعادل بين الأحكام المفروضة بنص القرآن، وبعض الأحكام التى نصت عليها السنة مثل إطلاق اللحية.

لكن من الضرورة بمكان أن نلتفت إلى أن منسوب التشدد يتباين بين القطاعات المختلفة التى تظهر على خريطة العقل الدينى الشعبى. فإذا كان القطاع الأقل تعليماً والأكبر سناً يتبنى -على سبيل المثال- رؤية رافضة لمسألة مراجعة كتب الحديث وتنقيتها، فإن الشباب الأقل عمراً والأكثر تعليماً يرون أن كتب الحديث تحتاج بالفعل إلى مراجعة، واستبعاد الأحاديث التى تناقض العقل أو القرآن منها.

وينطبق الأمر نفسه على مسألة تجسيد الصحابة فى الأفلام والمسلسلات، فهناك قطاع لا يرى غضاضة فى تجسيد الصحابة فى أعمال فنية أو درامية، وهناك من يرفض ذلك تنزيهاً للصحابة. كما يرى العقل الشعبى أن بعض القصص التى يشتمل عليها التاريخ الإسلامى يشوبها عدم الدقة، وشىء من المبالغة.

نخلص مما سبق إلى أن العقل الشعبى يدعم فكرة التجديد فى سياق مساحات معينة، ولا يمانع فى فكرة مراجعة حكايات التاريخ الإسلامى وتحريرها من المحكيات غير العقلانية، لكنه يشترط عدم المبالغة فى الاحتكام إلى العقل عند النظر إلى بعض المسائل الدينية التى تظهر داخل نصوص أخرى، خصوصاً المسائل ذات الطابع الغيبى.

كما تختلف القطاعات الشعبية فى درجة قبولها أو تحفظها على مسألة التجديد. فالشباب والفئات الأكثر تعليماً أكثر مرونة فى تقبل أفكار التجديد، فى حين تبدو الفئات الأقل تعليماً والأكبر سناً أميل إلى التشدد والرفض، ما يستوجب الوعى بطبيعة وسمات محتوى «رسالة التجديد» التى يصح توجيهها إلى كل قطاع بحيث تتناسب مع منسوب مرونته أو تشدده.