عزيزي الطالب: والدتك اسمها ايه؟

هوة سحيقة يسقط فيها الجميع بلا إستثناء.. محبي القراءة والمراهقين على الأخص ينكرون وجوده ثم يتبارون في اثبات وجهات نظرهم قبل ان ترسو سفينة الشك مجددا الي خانة الديانة والاعتراف بأن للعالم رب وللحياة ناموس وقواعد يعتبر عدم الاعتراف بها كفرا، فيما يعتبر مقاومتها ومحاولة فهمها أولى درجات الإيمان بالله خالقا..سنوات من العتمة يقضيها المرء في محاولة فهم خلاف المعتزلة والأشاعرة وفي تحليل القضاء والقدر وفي إجابة السؤال الأزلي، هل الإنسان مسير أم مخير؟.. ثم تأتي الإجابات تباعا..ليس مهما متى تأتي، الأهم أن تأتي في صورة قناعات وليس مسلمات.

لهذا نكره الاخوان.. نكره التسليم والترديد.. سنوات لم أمل سؤال نفسي، لماذا لم نتوافق ولم نتفاهم، ولا نسير في اتجاه واحد؟ .. أحفظ الصلوات والعبادات ويعمر قلبي ايمان ينعكس علي مظهري وسلوكي لكن ثمة رافض لتصنيف إسلامي او اخواني يصرخ داخلي.. لم يعل الصراخ في عام حكمهم المقيت، سبقه بسنوات طوال، منذ كنت طالبة أدرس اللغة العربية وعلومها وآدابها "هكذا تقول شهادتي" في كلية تصنف بأنها ظهير التيار الإسلامي، ومركز شحن وتفريغ الاخوان في قلب الحرم الجامعي ونقطة ارتكاز قوى الحركة الطلابية الإسلامية في تسعينات القرن الماضي.. عن دار العلوم أتحدث

شهدت بعيني التمييز والتصنيف..عشته طوال سنوات الدراسة، عانيت لفهم معنى التفرقة بين الطلبة والطالبات على أساس النوع، في الدفعة التي سبقتني كانوا يفصلون مداخل الكلية، مدخل البنين ومدخل البنات، ومع التمدن الذي عاصر دفعتي، فوجئت بأساتذة تفصل الجنسين في المدرجات، وتمنع الإختلاط، وذهب أساتذة آخرون في فصل الجنسين عن بعضهما البعض في مواعيد المحاضرات، عاصرت أستاذا كان يمنح درجة السيكشن كاملة للمنتقبات على إعتبار أن إلتزامهن يستحق الإثابة، بغض النظر عن مستواهن الدراسي، بل إنه يعطي درجة السيكشن كاملة لمن تتزوج من زميلها الطالب، منطق غريب عجيب، ومشاهدات أقرب لقاعات الكتاتيب من قاعات المحاضرات، أتذكره وهو ينادي على الطلبة والطالبات بأسماء أمهاتهن، يطلب من الطالب أن يذكر اسم والدته، ويناديه بها طوال السيكشن، وحين يعترض أحدهم كون الطلب لا علاقة له بالدراسة وطبيعتها، ينالنا من الأستاذ الجامعي درسا في أننا سننادى يوم القيامة بأسماء أمهاتنا، وأن اسم الأم ليس عورة، دون أن يبرر أو يقدم مسوغا لأن ينادى على هيثم قائلا "هيثم بن فاطمة.. اتفضل هنا"

داخل مدرجات دار علوم كنت اتطلع لمدرجات الاعلام، حلمي الذي قاربته ولو بكلية "الباب قصاد الباب" قبل أن أصل إليه بدبلومة تحققه لي..رأيت عالمين مختلفين يمثلان واقعا عشته خارج أسوار الكلية، عشت سنوات الدراسة أحاول أن أصل إليهم بالنقاش، فيوصدون الباب بطلب تلبية الأوامر، ثارت ثائرة أحدهم لمجرد أنني ناقشته في معنى الآية الكريمة "ويمكرون ويمكر الله"، اعتبرني أتطاول في فهم وتفسير قوله تعالى، ورماني وسط ما رمى بأنني أجهل وأفتري على النص، وزاد في تبرير الهجوم إلى العبارة الخالدة "ناقصات عقل ودين"، تكرر الأمر كثيرا، مع كل إنتخابات لإتحاد الطلبة، وصل الأمر للضرب والتعدي بالعصا والحجارة على زملائهم لمجرد إختلاف في وجهات النظر.. أعترف أنني لم أفسر العداوة حينها، اعتبرتها طيش شباب، لكن الواقع فضحها جلية، إنها عقيدتهم، لا ينظرون إلا إلى المرآة يرون فيها أنفسهم، ولا يسمعون إلا لأصواتهم، أنظر إليهم الآن بحسرة.. كانوا أصدقائي رغم الشتات بيننا.. ماذا لو فكروا.. ماذا لو نسفوا اعتقاد ان الله يحب من يطيعه فقط.. أو وسعوا دائرة الطاعة وأضافوا إليها من يفهمه ويتدبره تذكرتهم حين طالعت إعتراف أحدهم عبر السوشيال ميديا، وهو في منفاه الإختياري، يروي سنوات الضلال التي عاشها، ويعترف أخيرا أن الإنسان "مخير" حتى لو قادته إرادته إلى "التسيير".