رسالة من «سليم» ابن مهندس المنصورة القتيل

أبي.. لا مزيد!!

أريد أبي.. عند بوابة القصر، فوق حصان الحقيقة.. منتصبًا من جديد.

ولا أطلب المستحيل، ولكنه العدل.

هل يرث الأرض إلا بنوها؟

ولا تنسى البساتين من سكنوها؟

وهل تتنكر أغصانها للجذور.. لأن الجذور تهاجر في الاتجاه المعاكس؟ … … … …

سيداتي.. أنا سليم.. سليم أحمد عاطف.. أنا عمري 11 يومًا.. ومات أبي منذ 11 يومًا.. أبي هو المهندس أحمد عاطف.. أو كما أطلق عليه الإعلام «مهندس الدقهلية».. أبي الذي مات غدرًا قبل ولادتي بساعات .سادتي.. أنا هذا الرضيع الذي لم يرَ والده ولن يراه.. أنا سأكبر يومًا.. سأتعلم الحروف والكلمات.. سأقول بحروف متعثرة «ما ما».. لا أعلم هل سأكون مثل الأطفال في سني.. وأقول مثلهم «بابا».. هل عندما أتعلم الكلمات وصياغة الجمل والعبارات.. هل أسأل أمي: من هذا الذي يزين بصوره بيتنا الحزين.. من هذا يا حبيبتي.. من هذا الذي يحتضن أخي «كنان».. من هذا الذي ينحني ويحنو برأسه على وجه «كنان».. ولماذا غائب أنا عن الصورة؟

سيداتي وسادتي.. لا أعلم كيف ستجيب أمي على أسئلتي.. هل تقول لي: «صغيري.. سأحكي لك عندما تكبر.. سأحكي لك ولكن ليس الآن».. هل تتهرب مني.. أم تقول لي الحقيقة «سليم.. كنت على وشك الولادة.. وقال لنا الطبيب قبلها بشهور.. أن المولود ذكرًا.. ويومها ظللت أفكر مع أبيك في الاسم.. وكان اختياره الأول والأخير لك.. سليم.. قال «سليم» واتفقنا.. حبيبي قبل ميلادك بساعات.. اتصل والدك بصديق عمره.. وقال له: «أريد مبلغاً من أموالي لأن زوجتي ستلد قيصرياً.. أموالي التي لديك».. واتفقا يا حبيبي على اللقاء.. وهناك فوق كوبري الجامعة.. تظاهر صديق والدك بأن سيارته تعطلّت.. وغافل أبيك ودفعه بقوة يا حبيبي.. ليسقط في مياه النيل.. سقط فوق سقالات خشبية كانت موضوعة لتحجز ورد النيل.. مر الليل حينها طويلاً.. كانت الساعات يا حبيبي ثقيلة.. ومع ساعات الصباح غالبني النوم.. ولم يأتِ أبيك.. خفت.. ارتعشت.. سارعت للاتصال بجدك.. وقلت له: «أحمد مرجعش».. بحثنا عنه في كل مكان.. وبعد ساعات جئت أنت.. جئت يوم أن اختفى أبيك.. كان القلق يقتلني.. ونظرتي إلى وجهك الذي يشبهه لا تتوقف.. ولا يتوقف معها الدعاء.. صغيري.. صار عمرك 11 يومًا.. عندما تأكّدت الشرطة أنَّ أبيك الذي اختفى منذ 11 يومًا قتله صديق عمره.. رحل هو عن الحياة يوم أن جئت.. مات غدراً يا حبيبي يوم أن بدأ صراخك معلنًا قدومك.. ربما صرخ أبيك صرخات اختلفت عن صرخاتك.. هي سبقت صرخاتك بساعات.. صرخات خوف واستغاثة وإعلانًا للغدر.

سادتي.. ستتوقف أمي القوية عن الكلمات والحكي.. ستصمت كرهًا لأنّ الدموع «حبست» هذا الصوت الذي أعشقه.. دموع ملأت عيونها ووجهها.. وأنا بالكاد أكون قد فهمت معنى بعض الكلمات.. لكن لن أعلم معنى الغدر والخيانة والقتل.. لا أعلم معنى كلمة سقالات خشبية ولا ورد النيل.. سأتوجه حينها إلى جدي.. وأسأله.. ما المعنى؟ سأتعود أنَّ أقول لجدي «يا أبي».. سأتعلم هكذا.. وسيعلمونني هذا.. ولكن هو بسنوات عمره الكثيرة سيروي لي تفاصيل جديدة وسيحكي وسأعلم معنى القتل.. ولكنني سأكون مثل أبي مسالمًا.. ولكن لن أثق مثله في صديق أو جار أو حبيب .

أنا الذي في هذه الصورة.. نائم كالملاك.. هذا كف يدي وأصابعي الخمسة.. وعيناي المغلقتان.. وشعري الذي ينزل على جبهتي.. أنا سليم أحمد قناوي.. هذه الصورة ستذكرني أن أبي مات بسببي.. أن شهادة ميلادي تحمل التاريخ الذي ولدت فيه.. 3 سبتمبر 2021.. هذه الصورة ستذكرني أنَّ أبي مات غدرًا يوم 3 سبتمبر 2021.. كيف ستضم أوراق بيتنا شهادتان متناقضتان تحملان نفس التاريخ.. هذه شهادة ميلاد.. وهذه شهادة وفاة.أبي.. نم قرير العين.. أبي لا تخف علينا.. أنا و«كنان» رجلان.. نثق في بعضنا البعض فقط.. نثق في جدي.. نثق في أمي.. لن نثق بأحد يا حبيبي.. لن نذهب مع أحد إلى كوبري الجامعة في المنصورة.. لن نقف عليه.. لن ننظر إلى السقالات الخشبية التي احتجزت جسدك 11 يومًا.. لن نلقي نظرات على «ورد النيل» الذي أخفى عن العيون جثمانك.. أبي.. لتطمئن.. سنكون رجالًا.. سأدخل الهندسة مثلك.. سأكون معيدًا في الكلية مثلك.. سأعمل في نفس مكتبك.. ولكن لن أضع صورتي هذه بجوار صورك.. حتى لا أتذكر ما حدث.. ولكن كيف أنسى يا حبيبي.. سأدعو لك في كل لحظة ومع كل أذان.. وفي كل خطوة أخطوها.. سأزور قبرك يا حبيبي وأقف عند بابه المغلق وأقول لك: «أحبك».. أعلم أنك سترتاح حينها كما ترتاح الآن بين يدي رب العالمين الذي ذهبت إليه بعد أن صليت العشاء.. ومت في سبيل مالك.. مت يا حبيبي غدرًا.. لقد كبرت يا أبي وعرفت معنى الأشياء.. نم ولا تخف يا حبيبي.. نم لقد عرفت معنى الغدر والقتل.. عرفت كل شيء.

كنت أريدك يا حبيبي «عند بوابة القصر».. بيتنا هو القصر.. كنت أريد أن أراك منتصبًا.. مثل الصورة التي تقف فيها وأنت تحتضن «كنان» .. أبي لا أطلب المستحيل.. ولكن الموت يجعل كل شيء مستحيل.. مستحيل.