وجه السياسة.. ووجه التعليم
ظل التعليم الجامعى بمصروفات حتى عام 1964، ولم يتجه نظام يوليو إلى إقرار مبدأ المجانية فى التعليم العالى إلا بعد مرور ما يزيد على 10 سنوات على قيام ثورة 1952. وثقت الدكتورة منى عبدالناصر ذلك فى مقال لها بـ«الأهرام» تحت عنوان «فلسفة مجانية التعليم فى عهد عبدالناصر».
ارتبط الاتجاه نحو مجانية التعليم الجامعى فى عصر عبدالناصر بالتحول إلى النظام الاشتراكى الذى بدأ عام 1961. بعدها بعام أعلن عبدالناصر أن التعليم سيصبح كله مجاناً فى المدارس والجامعات والمعاهد العليا. وتم النص على مجانية التعليم بكل مراحله فى الدستور المؤقت الصادر عام 1964.
عين الرئيس عبدالناصر فى هذه المرحلة كانت على الطبقة الوسطى، فقد أنصف الفلاحين بقوانين الإصلاح الزراعى، وأعطى العمال قوانين يوليو الاشتراكية، بعدها أراد التحرك إلى الطبقة الوسطى ومنحها ما يرضيها، فاتخذ قراره بتخفيف عبء المصروفات الجامعية عنها، لتتكامل منظومة المجانية فتشمل المدارس التى وصل إليها قطارها قبل الثورة مع الجامعات.
التجربة العالمية تقول إن «مجانية» التعليم العام و«أهلية» التعليم الجامعى هى المعادلة التى كانت -ولا تزال- سائدة فى دول العالم المختلفة، ونقصد بأهلية التعليم الجامعى أن تكون تكاليفه شراكة بين الأسرة والدولة بالإضافة إلى التبرعات، الوضع الاستثنائى ظهر فى الدول التى أخذت بالنظام الاشتراكى مثل مصر الستينات. فرحت الشرائح الأقل من الطبقة الوسطى بقرار مجانية التعليم الجامعى فرحاً كبيراً، وشاركها فى السعادة أيضاً طبقة العمال والفلاحين، الذين أصبح فى مقدورهم إدخال أولادهم إلى الجامعات، ليصبحوا «أفندية كبار»، مثل الذين يرون صورهم فى الصحف ويطالعون تحركاتهم فى التليفزيون. قرار مجانية التعليم الجامعى الذى اتخذه عبدالناصر كان عظيماً ولا شك، ولكن هل كانت الدولة فى ذلك الوقت -وبعده أيضاً- تمتلك الأدوات والمعطيات التى تمكنها من استيعاب نتائجه؟ يعنى هل كان عدد الجامعات وعدد الأماكن المتاحة للالتحاق بالكليات داخل كل جامعة بإمكانه استيعاب أعداد أكبر من الطلاب ستتوافر لهم فرص الالتحاق بالجامعات بعد قرار المجانية؟ لك أن تعلم أنه حتى أواخر الستينات لم يكن يوجد بمصر إلا الجامعات التى ورثناها عن العهد الملكى، وهى جامعة القاهرة، وجامعة الإسكندرية، وجامعة عين شمس، وبعض الكليات الإقليمية مثل كلية الزراعة بمشتهر. الجامعة الوحيدة التى تأسست فى عصر عبدالناصر هى جامعة أسيوط. اهتم الرئيس عبدالناصر بإنشاء المدارس، وأضاف إلى رصيد مصر منها الكثير، لكنه لم يبذل جهداً موازياً على مستوى إنشاء الجامعات، فظهر فى عصره بضع كليات، مثل كلية هندسة البترول والتعدين بالسويس، وكلية الطب جامعة الإسكندرية، وعدد من المعاهد العليا، وفرع جامعة بيروت الخاصة بالإسكندرية، وفرع جامعة القاهرة بالخرطوم.
لم ينشئ الرئيس جمال عبدالناصر البنية التحتية اللازمة لحركة التوسع فى التعليم الجامعى، بشكل يمكنها من استيعاب نتاج قراره بالمجانية، فزاد عدد الطلاب المقبولين بالجامعات بصورة مرعبة. على سبيل المثال وصل عدد طلاب جامعة القاهرة أواخر الستينات إلى 50 ألف طالب، غير طلاب الانتساب، فى وقت كان فيه عدد الطلاب بها فى الخمسينات يتراوح ما بين 15 و20 ألف طالب. قرار مجانية التعليم الجامعى كان من أعظم قرارات عبدالناصر، لكن وجهه السياسى غلب على الوجه التعليمى، لأنه لم يكن لدينا الجامعات القادرة على الاستيعاب، وعندما رفض بعض الأساتذة مضاعفة أعداد الطلاب المقبولين بالكليات بهذه الصورة، وأن هذا الوضع لن يسمح لهم بتعليم حقيقى، تم زجرهم فسكتوا. أصبحت أعداد المقبولين بالجامعات قرار دولة وليس قرار مؤسسة تعليمية.