أصبح تراجع أسعار السلع أمراً مستمراً؛ إذ انخفض مؤشر بلومبرج للسلع الأساسية الذى يتابع عن كثب ويغطى أسعار 20 سلعة، إلى مستوى جديد الأسبوع الماضى هو الأدنى فى 4 سنوات.
تراجع أسعار المعادن والنفط والمنتجات الزراعية يتلاءم مع أطروحات تباطؤ الاقتصاد فى الصين ونمو يترنح فى البلدان المتقدمة، على الرغم من المستويات الاستثنائية لدعم البنوك المركزية. ورغم ذلك من الصعب العثور على شخص تنتابه مشاعر قلق شديد فى أسواق الأسهم أو السندات أو العملات، بل العكس هو الصحيح.
بالطبع، يسهم انخفاض أسعار السلع الأساسية فى زيادة الدخل الحقيقى، الأمر الذى يعزز آفاق النمو الاقتصادى، فما يهم بالقدر ذاته هو تأثير ذلك فى مقاييس التضخم التى تراقبها البنوك المركزية؛ إذ ساعد انخفاض أسعار السلع الأساسية الأسبوع الماضى فى دفع التوقعات باتجاه انخفاض معدلات التضخم فى تسعير أسواق السندات والمقايضات، وهو ما يزيد من فرص أن تبقى البنوك المركزية على أسعار الفائدة عند مستويات منخفضة تاريخية إلى فترة أطول، وبالتالى دعم ارتفاع أسعار السندات والأسهم. وهناك سبب آخر لتجاهل معظم الانخفاضات الأخيرة فى أسعار السلع، ويتمثل فى أن تلك الانخفاضات جاءت نتاج التقاء استثنائى لعوامل ليست ذات صلة من غير المرجَّح أن تدوم؛ إذ تراجعت أسعار الحبوب نتيجة الحصاد الوفير، وهى لا علاقة لها تماماً بالمخاوف المتعلقة بفقاعة الائتمان فى الصين التى أضرت بالمعادن. وتراجعت أسعار النفط مع فشل الاضطرابات فى كل من الشرق الأوسط وأوكرانيا فى الإضرار بحجم الإنتاج، فضلاً عن المخاوف بشأن الطلب. لكن التراجع العام فى الأسعار يطلق إشارات تحذير؛ فهو يسلط الضوء على اتساع الانقسامات والخلافات بين أكبر المناطق الاقتصادية فى العالم. وتقود تلك الخلافات بالفعل أسواق العملات والسندات، ويمكن أن تصبح الميزة الكبرى فى الأسواق مع انتهاء برنامج التيسير الكمى لمجلس الاحتياطى الفيدرالى الشهر المقبل. ويكشف انخفاض أسعار السلع المخاوف المتزايدة بشأن الصين ومحاولات بكين للحد من المعدلات العالية غير القابلة للاستدامة لتوفير الائتمان، ربما من دون إجراءات تحفيز جديدة لمواجهة ضعف النمو. وإذا كان انخفاض أسعار السلع إشارة إلى تراجع الثروات فى الأسواق الناشئة، فإنه علامة على الازدهار والنمو فى الولايات المتحدة. ومن شأن نمو قوى للاقتصاد الأمريكى أن يساعد فى أن يخفف من القتامة فى أماكن أخرى، لكنه لن يخفف من مخاوف المستثمرين بشأن الانقسامات والخلافات العالمية التى تكشف تلك التراجعات فى الأسعار عنها.